تقارير خاصة  ::   تقرير خاص حول حصار مدينة الحجر الأسود في دمشق


تقرير خاص حول حصار مدينة الحجر الأسود في دمشق

عشرات الآلاف من المدنيين على قائمة الموت البطيء

 

مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

تشرين الأول / أكتوبر 2013


إحدى القذائف التي سقطت بين منازل المدنيين، الحجر الأسود، دمشق. 2012

 

 

 

خلفية التقرير:

 

تعيش المنطقة الجنوبية من العاصمة دمشق – وهي المنطقة الواقعة ما بين الغوطتين- بمناطقها وأحيائها المتعددة: "الحجر الأسود ومخيم اليرموك والتضامن والقدم وعسالي ويلدا وببيلا وبيت سحم والسبينة والبويضة والسيدة زينب وحجيّرة والحسينية" حصاراً ممنهجاً ومتعمداً يكاد يكون الأقسى بعد الحصار المديد الذي تعرضت له مدينة حمص – وما تزال – منذ شهور عديدة.

مركز توثيق الانتهاكات في سوريا كان قدر أصدر تقريراً مفصلاً حول حصار مدينة المعضمية بريف دمشق – الغوطة الغربية – ومخيم اليرموك في دمشق، وكان قد وجّه أيضاً نداء عاجلاً لكافة المنظمات الدولية وعلى رأسهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بضرورة التدخل الفوري والعاجل من أجل السماح بدخول المواد الغذائية والإغاثية والطبية إلى تلك المناطق المحاصرة: المعضمية ومخيم اليرموك والحجر الأسود، ويأتي هذا التقرير أيضاً ضمن سلسلة التقارير التي كان المركز قد نشرها حول المعاناة اليومية للسكان المدنيين في تلك المناطق المحاصرة والخطر الحقيقي الذي يحدق بهم ألا وهو الموت جوعاً ومرضاً إن لم يموتوا بسبب القصف اليومي بكافة أنواع الأسلحة على تلك المناطق.

منهجية التقرير:

اعتمد التقرير في مجمله على شهادات سكان المنطقة، خاصة المنخرطين في النشاط الثوري من اعلاميين ومتطوعي الهلال الأحمر ونشطاء الإغاثة بالإضافة إلى أطباء من النقاط الطبية أو المشافي الميدانية، كما حاول الخوض في تفاصيل المعاناة الشديدة التي يعيشها السكان في جميع مناحي الحياة اليومية، خاصة أنّ هذه المعاناة تترافق مع وحشية في العمليات العسكرية في الحجر الأسود من قبل قوات النظام وقصف ممنهج يستهدف جميع مرافق الحياة اليومية وعلى رأسها البنى التحتية - إضافة إلى المشافي والنقاط الطبية، بالإضافة إلى استهداف مباشر وممنهج لأفران الخبز ومحطات توليد الكهرباء والمحروقات. وحتى المدارس كان لها نصيب من هذا التدمير المنهج الذي تعرضت له المنطقة إلى جانب أماكن العبادة التي نالت ما نالته من قصف واستهداف من قبل قوات الجيش النظامي.

المقدمة:

تتوسط مدينة الحجر الأسود المنطقة الجنوبية تقريباً، وهي تتبع إدارياً لمحافظة دمشق، وكان عدد سكانها قبل العمليات العسكرية يبلغ حوالي 600.000 نسمة، النسبة الساحقة منهم من أبناء الجولان المحتل؛ أي من "النازحين السوريين"، الذي نزحوا عقب احتلال عام 1967، وتبلغ مساحتها حوالي واحد كم مربع، وأغلب المساكن والأبنية فيها، تمّ بناؤها بشكل عشوائي "مناطق عشوائيات"، وبحسب أهالي المدينة فإنّ منطقة الحجر الأسود تعرضت لسياسة تهميش مقصودة في عهد الحكومات السورية المتعاقبة منذ العام 1967.

وإلى جانب النازحين من أبناء الجولان هنالك خليط من اللاجئين الفلسطينيين إضافة إلى المواطنين السوريين من محافظات مختلفة وعلى رأسها درعا وادلب وحمص، وأغلب سكان المنطقة من ذوي الدخل المحدود.

 

أولاً: الاقتحامات التي سبقت الحصار:

كانت مدينة الحجر الأسود من بين أوائل المنطقة الجنوبية التي انضمت إلى ركب الثورة السورية، فقد كانت أول مظاهرة فيها بتاريخ 21-3-2011 وتحديداً في مناسبة عيد الأم، بعد دعوة العديد من النشطاء للتظاهر في يوم الجمعة، وفعلاً فقد تظاهر أكثر من مئتي ناشط وناشطة ضد ما جرى من أحداث في مدينة درعا وكانوا يهتفون للحرية، وعلى إثر تلك المظاهرة قامت قوات النظام باعتقال العديد من الناشطين تعسفياً لأيام قليلة ليتم اطلاق سراحهم لاحقاً.

 

واستمر الوضع على ما هو عليه إلى يوم "الجمعة العظيمة" أي بتاريخ 22-4-2011 حيث شهدت المدينة سقوط أول شهيد وهو لاعب نادي شباب فريق "الشرطة" يمان عدنان ابراهيم "الآغا" ويبلغ من العمر 16 عام، لتبلغ حصيلة الشهداء مع نهاية ذلك اليوم أربعة شهداء، وتوالت الأحداث على الحجر الأسود إلى تموز 2011 حيث كان الاقتحام العسكري الأول من قبل قوات النظام، فقد اقتحمت المنطقة قوة قُدرت بحوالي ثلاثة آلاف عنصر من الأمن والجيش النظامي وقاموا يومها باعتقال أكثر من 1500 من المدنيين كان معظمهم من الذكور ما بين سن ال 14 وال 60 سنة، حيث كانت نسبة غير قليلة من المعتقلين من الأطفال ممن هم مادون سن الثامنة عشرة، وشهد شهر تموز 2012 أول عمل مسلح من قبل عناصر من الجيش السوري الحر، عندما قاموا ببدء عملية لتحرير مخفر الحجر، بعدما تمادى المخفر في اعتقال مئات الشباب بالإضافة إلى جلبه للشبيحة من مناطق مؤيدة للنظام وإهانة المواطنين وخاصة خلال عمليات الاقتحام التي كانت تتم للمنازل.

 

وكانت تلك العملية تعتبر أول معركة حقيقة ضد قوات النظام من قبل عناصر الجيش الحر وأكبرها في مناطق جنوب دمشق وعُرفت يومئذٍ بمعركة "البلدية"، وبعد ذلك التاريخ تحديداً بدأت عمليات النزوح الجماعية للسكان المدنيين، وخاصة بعد لجوء قوات النظام إلى استخدام الطيران المروحي في استهداف المنطقة فقد استشهد في يوم 21-7-2012 اثنا عشر شهيداً برشاش الطيران المروحي، وأصيب أكثر من خمسين مواطناً آخراً، وبعد عشرة أيام وبالتحديد بتاريخ 31-7-2012 قام الجيش النظامي باقتحام الحي مجدداً بعشرات الدبابات وآلاف الجنود وأثناء ذلك شهدت المنطقة نزوح الآلاف من السكان المدنيين "بشكل مؤقت" حيث بلغ العدد أكثر من 400 ألف مواطن افترش معظمهم شوارع الأحياء المجاورة في انتظار انتهاء العمليات العسكرية، يقول الناشط الإعلامي رامي السيد أبو عبد الله؛ مدير المكتب الإعلامي في المجلس المحلي في الحجر الأسود متحدثاً عن الوضع الإنساني في ذلك الوقت:

"أثناء العمليات العسكرية التي كانت دائرة ما بين قوات النظام من جهة وعناصر من الجيش الحر من جهة أخرى، فرّ آلاف المواطنين من منازلهم ودامت العمليات العسكرية خمسة أيام متتالية، وبعد انسحاب عناصر الجيش الحر من المدينة، أقامت قوات النظام عدة حواجز عسكرية وانسحبت القوات الأكبر منها، ويمكننا القول أن ملامح الحصار بدأت من هذا التاريخ. إلا أنّه وبعد انسحاب قوات الجيش بدأت عمليات القصف المتقطعة بقذائف الهاون والمدفعية ليتطور لاحقاً إلى القصف بالبراميل المتفجرة والقصف بواسطة طيران الميغ الذي كان يتمّ بشكل عشوائي ممّا أصاب العشرات من الأعيان المدنية والبُنى التحتية بدمار ازدادت مساحته يوماً بعد يوم".

محاولات إخراج إحدى السيدات من تحت أنقاض أحد المنازل التي تهدمت على رؤس أصحابها بفعل القصف العشوائي من قبل قوات النظام، دمشق الحجر الأسود. كانون الأول 2012

ثانياً: حصار الحجر الأسود:

سبق حصار الحجر الأسود - الفعلي - اقتحامٌ شرسٌ جداً من قبل قوات النظام وهو الاقتحام الثالث عملياً وكان في منتصف أيلول / سبتمبر 2012 حيث تمّ ارتكاب مجزرة رهيبة خلال ذلك الاقتحام والذي نتج عنه سقوط أكثر من ثلاثين شهيداً تم ذبح الغالبية العظمى منهم بواسطة السكاكين، وأمّا القوات فكانت غالبيتها من قوات الحرس الجمهوري التي ارتكبت تلك المجازر بحق المدنيين، وعندها نزح الآلاف مرة آخرى ولكن بأعداد أكبر فلم يبق في المدينة إلاّ حوالي مئة ألف مواطن، أمّا النازحون فقد توجهّوا إلى الأحياء والمناطق والأحياء والبلدات المجاورة مثل السيدة زينب والسبينة وغيرها من المناطق، وفرضت قوات النظام آنذاك طوقاً أمنياً شديداً على المدينة واستمر ذلك الاقتحام أكثر من عشرة أيام متتالية، ومن ثمّ انسحبت عناصر الجيش من داخل المدينة وبقيت على الأطراف لتبدأ معاناة القصف اليومي التي تمّ فيها استخدام جميع الأسلحة التي يتمّ استخدامها عادة في الحروب الحقيقة بين دول، ومنها القصف بالقنابل الفراغية والقصف بالصواريخ من طائرات الميغ الحربية بالإضافة إلى القصف بالبراميل المتفجرة وراجمات الصورايخ والقصف بقذائف الهاون والمدفعية من جبال الفرقة الرابعة من منطقة المعضمية في ريف دمشق.

في كانون الأول 2012 بدأ "الحصار الفعلي" على الحجر الأسود، وتمّ إغلاق المدخل الوحيد إلى قلب مدينة دمشق، ولكن بشكل غير كامل، حتى شهر شباط 2013 عندما قام الحاجز التابع لجيش النظام باغلاق الطريق أمام السيارات والمركبات وأصبح الناس يجتازون الحاجز فقط مشياً على الأقدام، ومن كان يحاول الخروج من طرق فرعية أخرى كان يواجه خطر الموت بسبب توزع العشرات من القناصين على أسطح البنايات العالية، وأمّا على الحاجز العسكري ففي البدايات لم يكن مسموحاً سوى إدخال القدر اليسير من الحاجات الأساسية فكان يُسمح بإدخال كيلو غرام واحد من السكر وربطة خبز واحدة وكيلو غرام واحد من الخضار وكان يعتمد ذلك بشكل رئيسي على مزاجية العناصر الموجودة على الحاجز ففي معظم الأحيان كان يتمّ مصادرة جميع الحاجيات التي في حوزة المواطنين بدون أي مبرر أو سبب فقط لمجرد السرقة والنهب، يضيف الناشط رامي السيد أبو عبد الله بهذا الخصوص فيقول:

"في الأشهر الأولى للحصار كانت الحياة شبه طبيعية لسببين: الأول أنّ معظم السكان كانوا يحتفظون في بيوتهم بالمؤن التي عادة ما يقومون بتخزينها لأشهر فصل الشتاء، بالإضافة إلى أنّ المستودعات كانت تحتوي على كميات لا بأس بها من الأغذية، والسبب الثاني أنّ الحاجز العسكري بالرغم أنّه لم يكن يسمح بإدخال كميات كبيرة من الغذاء إلا إنها كانت شبه كافية للبقاء على قيد الحياة، ولكن لاحقاً وفي بدايات شهر نيسان 2013 بدأت آثار الحصار تظهر بشكل كبير خاصة بعد التشديد الكبير من قبل الحاجز العسكري واعتقال العشرات من المدنيين الذين كانوا يحاولون إدخال المواد الإغاثية إلى الحجر، إلى أن تفاجأنا في 15 رمضان أي بتاريخ 19-7-2013 باغلاق جميع المداخل المؤدية إلى المدينة بشكل كامل، وتمّ منع دخول أي مواد إغاثية أو طبية أو أي شيء آخر، وكان ذلك خلال هذه الأشهر مترافقاُ مع القصف الشبه اليومي للمدينة بمختلف أنواع الأسلحة وكان يخلف عشرات الضحايا ما بين شهداء ومصابين".

* فجاء الحصار على كل مناحي الحياة اليومية للمواطنين واحتياجاتهم، وجعلهم عرضة للموت جوعاً أو بسبب عدم توافر الدواء لمعلاجة جرحى ومصابي القصف العشوائي اليومي من قبل قوات النظام.

1 – الوضع الإغاثي:

على عكس المناطق الأخرى فإنّ مدينة الحجر الأسود تفتقر إلى الزراعة، فهي ترزح تحت ظل كثافة سكانية عالية في بقعة جغرافية صغيرة، أدى ذلك بشكل رئيسي إلى اعتماد السكان في الأشهر الأولى على الطعام الذي تمّ تخزينه في البيوت، إلا أنّه مالبث أن نفد هذا المخزون، ليخفّض المواطنون عدد وجباتهم من ثلاث وجبات إلى وجبة واحد في اليوم في الأشهر القليلة الماضية، ناهيك عن أنّ هذه الوجية تفتقد إلى القيمة الغذائية التي يجب أن تتوافر في الوجبات عادة لإنها فقط عبارة رز مطبوخ على الخشب أو بعض البرغل أو شوربة العدس، وذلك نتيجة انعدام المواد الغذائية الأخرى، مما أدى أيضاً إلى ارتفاع جنوني في أسعار هذه المواد. فارتفع سعر كيلو الرز إلى أكثر من 1000 ليرة سورية بعد أن كان بسعر 150 ليرة سورية فقط، كما أصبح سعر كيلو السكر 1200 ليرة سورية بعد أن كان بسعر 90 ليرة سورية والبرغل ارتفع إلى 1000 ليرة سورية بعد أنّ كان بسعر 50 ليرة سورية فقط لا غير، وارتفع سعر ربطة الخبز من 20 ليرة سورية إلى 150 ليرة سورية وسعر كيلو البندورة من 25 ليرة سورية إلى 120 ليرة سوريا.

يقول محمود أبو العباس رئيس المكتب الإغاثي في المجلس المحلي للحجر الأسود - والعضو السابق في منظمتي الهلال الأحمر السوري والإماراتي - في هذا الصدد:

"كانت المحاصيل الزراعية القليلة أصلاً عبارة عن الباذنجان والكوسا وسرعان ما نفدت الكمية بشكل كامل، وارتفعت أسعار المواد الأخرى أضعاف مضاعفة، كل ذلك في ظل انعدام للكهرباء أو وسائل الطاقة فبعض الناس الآن يستخدمون "البابور" المنزلي في الطبخ ويقومون باستعمال مادة المازوت عوضاً عن مادة الكاز ويتمّ إضافة الملح ليساعد على الإشتعال، وأمّا من لايملك "بابوراً" فإنّه يقوم باستخدام الخشب، والمدينة على وشك كارثة أخرى فقد تعرضت مقاعد الدراسة وأبواب الصفوف في جميع المدارس إلى الكسر لاستعمالها في طبخ الطعام، وتم قطع المئات من الأشجار للإستفادة منها أيضاً في عملية الطبخ، وحالياً يوجد أكثر من 6000 آلاف عائلة مهددة بالموت جوعاً في الحجر أي تقريباً أكثر من 36 ألف نسمة من السكان" وأضاف أيضاً:

 

الكهرباء مقطوعة منذ تاريخ 13-12-2012 عندما قامت قوات النظام بقصف مباشر لمحطة الكهرباء براجمات الصواريخ، وكانت تكلفتها تقدّر بمليارات الليرات السورية، وتنعدم مادة البنزين في المدينة بشكل كامل.

معظم الأطفال يعانون من حالات الجفاف وسوء التغذية، وانتشرت ظاهرة النحول بين السكان جميعاً بعد أن اقتصروا في وجباتهم على وجبة واحدة يومياً، في ظل انعدام المواد الغذائية ذات الطاقة مثل الزيت والسمنة وإغلاق جميع الممرات المؤدية إلى المدينة، ودفع سوء التغذية لدى الأهالي إلى صناعة الحلوى "البرازق" من العدس والقطر "السكر مع الماء"، لتعويض السكر لدى فئة الأطفال بشكل خاص.

في أقل من شهر سوف تكون المدينة في كارثة حقيقة سوف تؤدي إلى وفاة الآلاف جوعاً وخاصة الأطفال والنساء، ولسوف لن يتمّ التفريق بين أطفال الصومال وأطفال الحجر الأسود.

 

* لم يكن الوضع الطبي في الحجر الأسود بأحسن حالا، بل يكاد يكون أسوأ من الوضع الإغاثي بسبب قلة المواد والتجهيزات الطبية أولاً واستهداف المشافي والمستوصفات والمشافي الميدانية بشكل وحشي ثانياً:

2 – الوضع الطبي:

يتشابه الوضع الطبي في مدينة الحجر الأسود مع الوضع الطبي في عموم المناطق الجنوبية لدمشق، وخاصة مع مخيم اليرموك المنكوب أصلاً، إلا أنّ ما يميز معاناة الحجر الأسود هو قلة المشافي والمستوصفات الموجودة في المدينة في الحالة الطبيعية مقارنة مع العدد الهائل لسكان المدينة، وتفاقمت هذه المعاناة مع بدء الثورة وارتفاع عدد الإصابات بين صفوف المدنيين وخاصة نتيجة اطلاق النار في الأشهر الأولى للثورة، وحيث أن المشفيَين الوحيدين الخاصين في المدينة كانا ممنوعين من استقبال أو مداواة المصابين؛ فقد كان يتمّ نقلهم إلى نقاط طبية سرية، حيث كان يتمّ علاجهم بواسطة حقائب إسعافية مخصصة لمثل هكذا حالات.

المشفيان الخاصان هما مشفى اليونس ومشفى البراء، أمّا الأخير فقد تمّ استهدافه في شهر تشرين الأول 2012 بشكل مباشر بصاروخ أدى إلى تدمير الطابق الأول منه بشكل كامل وأصبح خارج الخدمة من يومها، وأمّا مشفى اليونس فقد هربت كوادره الطبية ولم يبق فيه سوى الممرضين، وبعد الاقتحام الثاني في تموز 2012 قامت قوات النظام باقتحام المشفى واحراقه بشكل كامل مما أدى إلى خروجه من الخدمة أيضاً. بعد هذين التاريخين اعتمدت الكوادر الطبية المتبقية على المشافي الميدانية السرية والنقاط الطبية التي كانت تستهدف بشكل متكرر وخاصة عن طريق القصف بطيران الميغ الحربي كان آخر هذه الإستهدافات قبل حوالي ثلاثة أشهر حيث تمّ استهداف المشفى الميداني بشكل مباشر.

يقول الطبيب عامر مسؤل التواصل الخارجي في الهيئة الطبية العامة لتجمع أطباء جنوب دمشق بخصوص الوضع الطبي المأساوي في المدينة:

بعد تسعة أشهر من الحصار المفروض على الحجر الأسود ومنع دخول أية مساعدة طبية من أي نوع كان، اضطررنا إلى الإستعاضة عن المواد الطبية الأساسية بالمواد الغير طبية المتوافرة؛ فعلى سبيل المثال تمت الإستعاضة عن استخدام "الشاش الطبي" بالمحارم الورقية، وأصبحنا نستخدم "قناني الكولا العادية" عوضاً عن "حوجلات تفجير الصدر" وأصبحنا نستخدم أكياس السيروم الفارغة بدلاً عن أكياس نقل الدم رغم عدم تعقيمها وخلوها من مادة"هيربارين" التي تنمع تخثر الدم.

أسعار "السيرومات" ارتفعت بشكل جنوني فأصبح كيس السيروم – إن توفر - يقارب الخمسة آلاف ليرة سورية، والمشافي الميدانية شبه فارغة ولم نعد نستطيع التكفل بالمريض، خاصة ممن يخضعون لعمليات "فتح بطن" حيث أنّهم يكونون ممنوعون من تناول الطعام خمسة أيام تقريباً وهم يحتاجون إلى كمية معينة من السيرومات التي تعتبر شبه نادرة في هذه الأيام.

 

ويضيف الطبيب عامر واصفاً النقص في الكوادر الطبية فيقول:

"تعتمد المدينة بشكل كامل على ثلاثة أطباء فقط؛ طبيبين جراحة عامة وطبيب جراحة أذنية، أمّا الاختصاصات الأخرى فهي مفقودة رغم أن المدينة بأمسّ الحاجة إليها خاصة طبيب العظمية، أمّا الاختصاصات الغير متوفرة فهي: العصبية، العظمية، العينية، الصدرية، الأطفال، وغيرها من أغلب الاختصاصات الأخرى".

* الإصابات:

تتعامل أغلب النقاط الطبية والمشافي الميدانية مع العديد من الحالات والإصابات بشكل يومي، وتكون أغلب هذه الإصابات نتيجة للاعتداءات التي تقوم بها قوات النظام من قصف واستهداف للمنازل المدنية، وأغلبها كسور في العظم و"انقطاع شريان" وعمليات جراحة الأوعية وعمليات فتح البطن وانقطاعات الأمعاء وإصابات الصدر، ويقف الأطباء شبه عاجزين أمام الإصابات العصبية، حيث يقوم أحد الأطباء بمراسلة طبيب عصبية ويأخذ التعلميات منه عن طريق الانترنت، وقد سجلت المدينة حالات من الإصابات البسيطة للعين والتي تحولت إلى عمى دائم عند المريض بسبب عدم وجود طبيب عبينية وعدم توافر العلاج، وأيضاً تفتقر المدينة إلى أطباء التخدير. ويضيف الطبيب عامر متحدثاً عن بعض الحالات فيقول:

تتفاقم حالات المرضى في بعض الأحيان بعد إجراء العمل الجراحي المناسب لهم، حيث يتعرضون لاختلاطات نتيجة سوء التغذية حيث تنعدم السيرومات في معظم الأحيان وينعدم الغذاء المفيد بعد العملية فتتفاقم حالة المريض نحو الأسوء، فمثلاً بعض الأطفال الذين يعانون من التهابات يحتاجون إلى طعام مغذي مثل العصير الطبيعي والعسل والمربى، وفي الفترة الأخيرة ونتيجة انعدام هذه المواد اضطر الأهالي لإطعام أطفالهم المواد "الحلوة" الخام التي يتمّ صناعة "معسل الأركيلة" منها، عوضاً عن المربى، وهي مواد أصلاً غير صالحة للأكل، وهنالك انعدام شبه تام لحليب الأطفال في المنطة والذي يهدد بكارثة إنسانية حقيقة في الأيام القليلة القادمة.

ومثل ذلك لبعض حالات التخدير التي يتمّ فيها استعمال إبر مخدرة منتهية الصلاحية، فنضطر إلى استخدام ثلاثة إبر عوضاً عن الإبرة الواحدة بسبب عدم توفرها.

 

إحدى غرف العمليات في إحدى المشافي الميدانية في مدينة الحجر الأسود بدمشق.*

ثالثاً – استهداف الأعيان المدنية في ظل الحصار الخانق:

كما أسلفنا آنفاً أن المشافي والنقاط الطبية – على قلتها – تمّ استهدافها بشكل مباشر من قبل قوات النظام، وأدت إلى ما أدت إليه من دمار وتخريب فيها، ومؤخراً عمد النظام إلى الاعتماد على المعلومات الإستخباراتية لمعرفة أماكن المشافي الميدانية ومن ثم يقوم بقصفها مستخدماً في أغلب تلك الاعتداءات طيران الميغ الحربي، فقد تعرضت إحدى النقاط الطبية على سبيل المثال لأربع استهدافات متتالية وجميعها بواسطة طيران الميغ.

 

* إحدى سيارات الإسعاف التي تمّ استهدافها من قبل قوات النظام، الحجر الأسود، دمشق.

1 – استهداف المدارس:

لم يقتصر الدمار الهائل في الحجر الأسود على بيوت ومنازل المدنيين فقط - والذي قدّره النشطاء بأكثر من 10 % من مجموع منازل المدينة، أي ما يقارب الألف منزل تم تدميره ما بين دمار جزئي وكامل، من ضمنهم حوالي 200 منزل تمّ إحراقهم بشكل كامل من قبل قوات النظام أثناء الاقتحامات المتكررة للمدينة – بل امتد هذا التدمير ليشمل المرافق الأخرى ومنها المدارس والمعاهد التعليمية، ويبلغ عدد للمدارس في الحجر الأسود أكثر من 30 مدرسة ما بين مدرسة للتعليم الأساسي أو الثانوي أو المعاهد الاخرى، وبحسب النشطاء فقد تعرضت أكثر 80 % من المدارس إلى الاستهداف المباشر والغير المباشر من قبل قوات النظام وخاصة نتيجة القصف المكثف الذي تتعرض له المدينة يومياً خلال الأشهر القليلة الماضية، أمّا المدارس التي تمّ استهدافها فهي:

1 – مدرسة الحجر الأسود الأولى ، تم استهدافها في تموز 2013 بقذيفة هاون.

2 – مدرسة الحجر الأسود الثانية، تمّ استهدافها في نفس يوم استهدف الأولى بحكم تلاصقهما.

3 – مدرسة حي الخزعل، تم استهدافها بقذائف الهاون في تموز 2013.

 

4 – مدرسة الشهيد أحمد زعل الفاضل، تمّ استهدافها في شهر شباط 2012 بقذيفة هاون.

5 – مدرسة الشهيد محمود عثمان، تم استهدافها بذيفة هاون أيضاً في شباط 2013.

6 – مدرسة الشهيد عوض عوض، تموز 2013.

7 – مدرسة الشهيد محمد إدريس تمّ استهدافها بصاروخ فراغي، وأدى ذلك إلى دمار ثلاثة أبنية مجاورة أخرى وتدمير كامل في مستوصف الحجر الأسود الصحي بشكل كامل.

8 المعهد الفني للبنات وكان إلى جانبه المعهد النسوي الرسم والفنون.

9اعدادية باسل الأسد في الحجر الأسود.

10 – إعدادية الحجر الأسود للبنات.

11- مدرسة خالد صالح الحميدي، قصف بقذائف الهاون للمرة الثانية بتاريخ 10-11-2012.

 

2 – استهداف أماكن العبادة:

لم تسلم أماكن العبادة وتحديداً المساجد في المدينة من القصف والاستهداف المباشر من قبل قوات النظام، فكان لها نصيب من الهجمات اليومية التي تتعرض لها المدينة، حيث تم قصف عدد من الجوامع وحرق بعضها الآخر بشكل متعمد من قبل قوات الجيش ومن تلك المساجد:

1 جامع معاذ بن جبل، حي الأعلاف، قامت قوات النظام بحرقه بتاريخ 22-9-2012، ليعود النظام ويقصفه بقذائف الهاون والمدفعية بتاريخ 10-11-2012.

2 مسجد الإمام النووي، تعرض للحرق في بداية الثورة، وتم قصفه بقذائف الهاون أخر مرة بتاريخ 19-7-2012.

3 – مسجد الرحمن، تمّ استهدافه خلال القصف بقذاف الهاون على المنازل المجاورة له بتاريخ 19-10-2012.

4 – مسجد الحمزة والعباس، تمّ استهدافه بقذائف الهاون أيضاً في 2012.

5 – حرق مأذنة ومكتبة جامع أبو بكر الصديق من قبل قوات النظام.

6 – الإعتداء على جامع آل ياسر أكثر من مرة خاصة خلال الاقتحامات المتكررة، وهو يقع قرب سوق الخضرة.

7جامع المقداد بن عمرو، تم قصفه في أواخر أيلول 2012 بقذائف الهاون.

 

3 - استهداف الأفران والمخابز:

منذ أكثر من عشرة أشهر، فإنّ مخابز الحجر الأسود والمنطقة الجنوبية بشكل عام، متوقفة عن العمل نهائياً، بسبب حرمانها من المخصصات التموينية من المازوت والطحين، وعدا عن ذلك فقد قامت قوات الجيش باستهدافات واعتداءات مباشرة على معظم الأفران والمخابز، منها:

1 مخبز العائدي، تم احراقه بشكل كامل في أيلول 2012.

2مخبز الجولان الآلي، تم احراقه بشكل كامل خلال إحدى الاقتحامات في 2012.

3 فرن القادري الآلي، تمّ قصفه بواسطة البراميل المتفجرة، وسقط على إثرها العديد من المدنيين ما بين شهداء ومصابين وذلك بتاريخ 13-12-2012.

 

 

4 – استهداف الدوائر العامة والبُنى التحتية:

من أكثر المرافق التي تعرضت للتدمير الكامل محطة توليد الكهرباء الرئيسية، والتي كانت تزود مع محولاتها أكثر من 50 % من مناطق جنوب دمشق، حيث تمّ استهدافها بصاروخ أطلق من جبال قاسيون أدى إلى اتلاف وتدمير جميع المحولات الموجودة فيها، وذلك بتاريخ 3-12-2012، وبالإضافة إلى محطة الكهرباء فقد قامت قوات النظام باستهداف مستودعات الأعلاف بعدة قذاف هاون ما أدى إلى تدميرها أيضاً بشكل شبه كامل، وتعرض مبنى البلدية للاستهداف بعد أن شهد موجهات شرسة في محيطه بين عناصر من الجيش الحر وقوات الجيش النظامي، وأيضاً تمّ قصف ستاد الحجر الأسود الرياضي بقذاف الهاون في 26-6-2012.

خاتمة ومناشدة:

علاوة على الكارثة والمأساة الإنسانية التي خلّفها الحصار على المستوى المعيشي، فقد لوحظ في الأشهر القليلة الماضية ظهور مشاكل اجتماعية خطيرة، تهدد بشكل مباشر كيانات أسر وعائلات مدينة الحجر الأسود وتجعلها عرضة للتفكك في أية لحظة، بسبب الفقر المدقع الذي يحرم الاف الأطفال والشيوخ والنساء من أبسط مقومات الحياة في منطقة تعاني أصلاً طيلة سنوات، من الإهمال والفقر.

إنّ مركز توثيق الانتهاكات قي سوريا إذ يدين بأشدّ العبارات وأقواها هذا الحصار الممنهج على المنطقة الجنوبية لدمشق عامة والحجر الأسود بشكل خاص، يناشد في الوقت نفسه كافة الجهات والمنظمات الدولية المعنية بالتدخل العاجل لفكّ الحصار وتقديم الدعم اللازم لآلاف السكن المدنيين الذين يواجهون خطر الموت جوعاً، ويدعو المركز قي الوقت نفسه اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتحمل مسؤلياتها والعمل بكافة السبل والوسائل لفتح ممرات آمنة لإدخال المساعدات الإنسانية، كما ويدعو السيد "بان كيمون" المحترم الأمين العام للأمم المتحدة للضغط على كافة دول مجلس الأمن وحثّها على تحمّل مسؤلياتها في الضغط من أجل تطبيق البيان الرئاسي الذي وقّعت عليه الدول الخمسة عشر والتي طالبت الحكومة السورية بالسماح فوراً بعبور المساعدات عبر الحدود.

 

يتقدم مركز توثيق الانتهاكات بالشكر لكل من ساهم في إنجاز هذا التقرير وعلى رأسهم النشطاء الميدانيين في الحجر الأسود والكوادر الطبية والإغاثية.

 

*صورة تبين قصف على بعدة عدة أمتار من إحدى المدارس في الحجر الأسود، دمشق.



-------------------------------------------------------------------
لأية ملاحظات أو أسئلة يمكن التواصل معنا عبر بريدنا الالكتروني
editor@vdc-sy.info

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة العربية
http://www.vdc-sy.org/index.php/ar/reports

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة الإنكليزية
http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/