تقارير خاصة  ::   تقرير موجز محدث: مذبحة في دوما - آب 2015


 تقرير موجز محدّث: مذبحة في دوما

"القتل العمد لأكثر من ستين مدنياً آخراً"

مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

آب 2015

مقدمة:

شهدت مدينة دوما في ريف دمشق في يوم الأحد المصادف 16 آب 2015 واحدة من أكثر المجازر دموية في العام 2015 والتي استطاع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا توثيقها من خلال شبكة مراسليه المتواجدين على التراب السوري. وجاءت هذه المجزرة بعد سلسلة من الهجمات المتعمّدة ضد المدنيين التي نفذها الطيران الحربي ابتداءاً من يوم 12 آب 2015 والتي أسفرت عن عشرات المدنيين استطاع المركز توثيقهم والتحقق منهم وتوزعوا على مدن وبلدات الغوطة الشرقية منها مدينة دوما وكفر بطنا وعربين  وحموّرية وسقبا  وجسرين وحزّه وعين ترما حيث أظهرت عشرات مقاطع الفيديو والصور والتي بثها النشطاء عن سقوط العشرات من الضحايا وتدمير كبير في العديد من المنازل والبنية التحتية المنهكة أصلاً في المنطقة نتيجة للحصار الذي تخضع له من قبل الحكومة السورية من أكثر من عامين.

وقد قام الباحث الميداني لمركز توثيق الانتهاكات في سوريا (ثائر حجازي) بجولة ميدانية شملت معظم الأماكن التي تعرّضت للقصف وأجرى العديد من المقابلات مع شهود العيان والناجين والكوادر الطبية.

ويوثق مركز توثيق الانتهاكات في هذا التقرير هجمات طيران الجوي للقوات الحكومية السورية التي حدثت بين 12 آب 2015 و 22 آب 2015.

لم تمضِ عدّة أيام على المذبحة التي تعرضت لها مدينة دوما في الغوطة الشرقية بتاريخ 16 آب الجاري والتي راح ضحيتها أكثر من (100) مدني وحوالي (450) مدنياً آخراً جرحوا في ذلك اليوم حتى وقعت مجزرة جديدة في يوم 22 آب 2015 حيث راح ضحيتها أكثر من (40) مدنياً وأصيب العشرات الآخرون وفُقد الاتصال بالعديد الآخر ممن بقوا تحت الأنقاض وفشلت جميع الجهود المضنية من انتشالهم من تحت ركام منازلهم التى انهارت عليهم بفعل قصف القوات الحكومية والذي استهدف مبانٍ سكنية أدّى إلى تدميرها بشكل كامل ضمن سلسلة الهجمات المتعمّدة التي تنفذها قوات الحكومة السورية ضد المناطق المدنية الخارجة عن سيطرتها وتحديداً في مدينة دوما.


استهداف مدينة دوما 12 آب 2015

"في تمام الساعة 10:18 دقيقة صباحاً تم استهداف مدينة دوما بأربع غارات جوّية، استهدفت الأولى "سوق الهال[1]" والمعروف بازدحامه الشديد وخاصة في فترات الصباح، وسقط على إثر ذلك عدد كبير من المدنيين ما بين قتيل ومصاب إضافة إلى دمار كبير في المحال التجاريّة حيث تدّمرت خمس محال تجارية بشكل كامل، واستهدفت الغارة ثانية سوقاً آخراً في المدينة وهو عادة ما يكون مزدحماً أيضاً بالباعة الجوالة، وقد بلغ العدد النهائي للضحايا في المجزرتين (28) مدنياً تم توثيقهم والتحقق من هوياتهم جميعاً. كما وبلغ عدد المصابين حوالي 150 مصاباً اختلفت درجة الإصابات ما بين حرجة ومتوسطة وبعض الإصابات الخفيفة، ولم تكن هنالك أيّة مقرات عسكرية قريبة من مكان الاستهداف، وقد كانت القذائف التي أطلقت من الطائرة قذائف موجّهة استهدفت المكان بشكل متعمّد."

استهداف مدينة سقبا – عين ترما - حمورية 12 آب 2015

وفي نفس اليوم وبعد استهداف مدينة دوما تم اسهداف مدينة سقبا بأربغ غارات جوية أيضاً كان أعنفها في سوق المدينة الرئيسي المزدحم بالمارة وسقط على الفور (8) مدنيين (ستة من مدينة سقبا واثنان آخرين من الغوطة الشرقية) تم توثيقهم بالاسم وأكثر من (40) مصاب بالإضافة إلى تدمير (12) محل تجاري. وتم تسجيل غارتين جويتين على مدينة حموّرية قتل بسببها أربع مدنيين. وتم استهداف عين ترما بغارتين جويتين أدتا إلى مقتل مدنيين وإصابة (12) آخراً. وسجّلت اربع غارات جوية على مدينة كفر بطنا أدت إلى مصرع (5) مدنيين. وبعد ذلك تم استهداف مدينة دوما مرّة أخرى بثمان قذائف مدفعية بشكل عشوائي كان مصدرها إدارة المركبات في حرستا.

"كانت الغارة الأولى على مدينة سقبا في حوالي الساعة التاسعة صباحاً حين تمّ استهداف (ساحة الجمعيات) في المدينة وهي إحدى المناطق المزدحمة عادة في المدينة ويشكّل إحدى الأسواق الرئيسية في المدينة، وقد تمّ القصف بالصواريخ الموجّهة. وبلغ مجموع عدد الغارات في آخر اليوم خمس غارات. ولكنّ الأعنف كانت عند الساحة المذكورة حيث استطعنا في نقطتنا الطبية تسجيل (30) إصابة واستشهاد أربعة أشخاص، اثنان منهم لم يتمّ التعرف عليهم. وكان من بين الإصابات حالة بتر لطفلها عمرها (6) سنوات بالإضافة إلى خمس إصابات في منطقة العين و(7) إصابات عظمية وإصابة عصبية واحدة."

وأجرى حجازي مقابلة أخرى مع أحد الناجين من القصف واسمه (أبو عبدو السقباني) صاحب أحد المطاعم في ساحة الجمعيات حيث قال في شهادته:

"كانت الساعة حوالي التاسعة صباحاً وأنا أملك مطعماً في ساحة الجمعيات، وفجأة قام الطيران الحربي بالإغارة علينا، وقصف المكان بصاروخ أحدث حفرة كبيرة وكانت النتيجة أـن تضررت جميع الأبنية والمحال التجارية القريبة من مكان سقوط الصاروخ، وأمام عيني سقط شهيد تفجّر وأصبح اشلاء متناثرة ولم يتم التعرف عليه لاحقاً بسبب تحوله إلى أشلاء، ورأيت شخصاً آخر قد بترمت ساقه، وشخصاً آخر استشهد أيضاً، أمّا الجرحى التي شاهدتهم فكانوا (11) شخص، وقد كنت أحد المصابين أيضاً حيث امتلئ جسمي بالشظايا."

وكان من بين الضحايا الذين سقطوا في مدينة سقبا أحد أعضاء الدفاع المدني واسمه (سمير أبو الخير) وذلك بحسب الناشط سمير تاتين أحد أعضاء تنسيقية سقبا، وأكدّ أنّ المكان الذي تمّ استهدافه كان يعجّ بالمدنيين ولا توجدّ أي مقرات لأي فصيل عسكري سواء من الجيش السوري الحرّ أو غير.

استهدافات كفر بطنا – زملكا – مسرابا – حرستا يوم 13 و 14 آب 2015

وفي تاريخ 13 آب تمّ استهداف مدينة كفر بطنا بغارة جوية في حوالي الساعة الرابعة عصراً (بالقرب من منطقة الفرن) قتل على إثرها (5) مدنيين وأصيب اكثر من (15) آخراً.

أمّا بتاريخ 14 آب 2015 شهدت مدن وبلدات الغوطة سلسلة غارات جوية أخرى فقد تمّ تسجيل ثلاث غارات على مدينة زملكا وثلاث على مدينة حرستا ومسرابا وست غارات على مدينة عربين وثلاث غارات على مدينة دوما، وقد استطاع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا في الفترة ما بين 12 إلى 16 آب 2015 من توثيق أكثر من (190) مدنياً قتلوا نتيجة قصف الطيران الحربي ومئات القذائف والصواريخ التي سقطت على عموم الغوطة الشرقية من قبل الجيش النظامي السوري.

مجزرة مدينة دوما 16 آب 2015

في حوالي الساعة الواحدة و النصف من يوم الأحد 16 آب 2015 قامت طائرة حربية بقصف مدينة دوما بأربعة صواريخ تسببت في دمار هائل  وسقوط المئات ما بين مصابين وقتلى، وقد هرع إلى مكان الحادثة الباحث الميداني ثائر حجازي وعاين مكان الحادثة وأفاد المركز بالتالي:

"استهدف الصاروخ الأول الجهة الشمالية من (ساحة الغنم) وهذه الساحة مكتظة عادة بمئات المدنيين والباعة المتجولين والمحال التجارية وغيرها، وبعد ذهابي إلى مكان الانفجار رأيت حجم الخسائر بأمّ عيني فقد كان الضحايا بالعشرات والمصابين أيضاً وكانت الأضرار المادية بالمحال التجارية كبيرة أيضاً وكان هنالك أكثر من (15) محل تجاري قد تضررّ بشكل جزئي من المحلات التي استطعت إحصائها إضافة إلى العشرات من (البسطات[2] ) التي كانت تبيع الخردة ولم أستطع إحصائها جميعها لكثرتها. أمّا الصاروخ الثاني فقد سقط على بعد (150) متراً من الصاروخ الأول واستهدف مباشرة تقاطع طريق (ساحة الغنم) وسوق الهال للخضرة (السوق الرئيسي للغوطة الشرقية كلّها) وأيضاً أصيب العديد من المدنيين وخاصة من أصحاب المحلات التجارية حيث شاهدت خمس جرحى على الفور ولاحظت احتراق (5) سيارات إضافة إلى تدمير أحد الأبنية وأضرار لحقت العديد من الأبنية المجاورة.

أمّا الصاروخ الثالث فقد سقط مباشرة في وسط سوق الهال المكتظ بالمحلات والباعة والمتسوقين من جميع عموم الغوطة الشرقية، وشاهدت بأم عيني أكثر من عشرة مصابين قمتُ بنقل أحدهم إلى إحدى النقاط الطبية حيث كان مصاباً برأسه وكتفه، وعند وصولي إلى النقطة الطبية شاهدت (14) جثّة ملقاة على الأرض بينما كانت سيارات الإسعاف والسيارات المدنية تقوم بنقل المصابين والجرحى وقد بلغ عددهم في تلك النقطة الطبية أكثر من (100) مصاب. وسقط الصاروخ الرابع على (شارع حلب) مما خلّف أيضاً دماراً كبيراً وسقط عدد من المدنيين قتلى.

وبعد هذه الغارات قام الطيران الحربي مرّة أخرى بالإغارة على المدينة وذلك من خلال قصف منطقة (حي عبد الرؤوف) بأربع صواريج موجّهة سقط الأول على بداية الحيّ (الطريق الفاصل بين حيّ عبد الرؤوف والمساكن) فذهبت إلى مكان الحادث مرّة أخرى حيث شاهدت قطع لحم (أشلاء كانت قد تناثرة على بعد 100 متر تقريباً من مكان القصف). وكان من بين الضحايا شاب من آل البغدادي ممن كان يبيع المازوت والبنزين. بالإضافة إلى شابين آخرين وهما حمزة الشيفوني وماهر الشيفوني حيث كانا يبيعان الحطب، وقد تضررت الأبنية المجاورة وتدمّر أحد المنازل بشكل كامل. وبعد ذلك سقط صاروخ آخر على مدخل حي الصفا أصيب على إثرها عشر مدنيين، وبعد دقائق سقطت قذيفة هاون على ساحة الشهداء مما إلى إلى مقتل مدني على الفور وإصابة خمسة أطفال بجروح، وبلغت عدد الغارات في ذلك اليوم أكثر من أربعين غارة على عموم مدن الغوطة الشرقية بدءاً من دوما ومروراً بعربين ومديرا وحرستا وقد أدى ذلك إلى حالات نزوح داخلية كثيرة ما بين المدن والقرى."

قال أحد الأطباء (عضو في المكتب الطبّي الموحد) لمركز توثيق الانتهاكات في سوريا رافضاً الكشف عن اسمه لأسباب أمنية. أنّه كان يقوم ببعض العمليات الباردة عندما سمع قصف الطيران الحربي ولم تمرّ دقائق معدودات حتى  انهالت عليهم الإصابات في النقطة الطبية التي يتواجدون فيها وكانت الأعداد بالمئات، وقال في شهادته:

"في البداية توقعنا أن تكون أعداد الإصابات ما بين (20) إلى (30) إصابة كما جرت العادة، ولكننا تفاجئنا بالإعداد الكبيرة للمصابين في يوم المجزرة (16 آب 2015) فكان عدد المصابين في أول دفعة أكثر من (150) إصابة، وبعد ذلك توالت الضربات الجوية وتوالت أعداد المصابين بالعشرات، فلم تكن الضربات كما العادة فقد تمّ استهداف الأسواق الشعبية بشكل مباشر على التوالي (ساحة الغنم وسوق الهال ومنطقة ساحة الشهداء ومدخل منطقة سكنية شعبية) وحتى أثناء الدفن وذهاب الأهالي لألقاء نظرة على الشهداء قبل دفنهم قام الطيران الحربي باستهداف المقبرة !!

بعد وصول الإصابات تمّ استدعاء جميع الكادر الطبّي فحجم الاستيعاب لدينا (نقطة الاسعاف المركزي) حوالي 20 مصاب ولكنّ المصابين كانوا بالمئات في هذا اليوم وخلال ست ساعات فقط استقبلنا (285) حالة وكنا فقط ست أطباء بمعدل (50) مصاب لكل طبيب، وفي خلال الساعات الست الأولى أجرينا بحدود (78) عملية جراحية، وبسبب الحاجة الماسة للعمليات وضعنا طاولة عادية مؤقتة بجانب سرير العمليات حتى نستطيع استيعاب هذا العدد الضخم، وتم نقل (100) إصابة إلى نقاط طبية أخرى في الغوطة أجريت لهم (38) عملية جراحية. والكارثة الكبرى كانت هي معاناة ما بعد العمل الجراحي فالمريض يحتاج إلى فترة استشفاء وعناية مركزّة ولكن العناية المركزّة كانت مليئة بالمصابين وبلغ عددهم (28) مصاب بينما تبلغ طافتها الاستيعابية (13) سرير فقط، هذا عدا عن الاحتياجات الأخرى المعتقلة بالوقود ونقص الكادر الطبي والممرضين ونقص قطع الغيار (تمّ استهداف إحدى سيارات الاسعاف في ذلك اليوم أيضاً) ونقص المتبرعين بالدم ولكن استطعنا الحصول على (289) متبرع من أبناء الغوطة المحاصرة حيث كان بعضهم يعاني من فقر بالدم من الأساس.

بلغ مجموع عدد الإصابات في ذلك اليوم (550) إصابة، وتم إجراء (116) عملية جراحية من ضمنها (9) حالات بتر لأطراف، وكان من بين المصابين (200) طفل ما دون سنّ الثامنة عشر."

عضو فريق المؤازرة في الدفاع المدني السوري الناشط مؤيد (22) عام، ابن مدينة المليحة أخبر المركز في شهادته أنّه اتجّه إلى مكان المجزرة بعد أن تمّ طلب المساعدة من قبل الدفاع المدني في دوما بعد استهداف (سوق الغنم) حيث قال في شهادته:

"كانت الساعة حوالي الثانية ظهراً في يوم الأحد 16 آب 2015 حين طلب منّا الذهاب إلى مدينة دوما من أجل المساعدة في انقاذ المدنيين الذين تم قصفهم من قبل الطيران الحربي، عدد المصابين كان كبيراً جداً ولم نتخيل أن تكون الأرقام والإصابات بهذا الحجم، كان عدد الشهداء حتى ذلك الوقت أكثر (75) مدنياً وأكثر من (200) مصاب. واثناء عمليات الانقاذ ضربت الطائرة مكان آخراً في نفس المدينة وقتل على الفور (15) مدني. ونعتقد أنّ الصواريخ التي تمّ القصف بها هي صواريخ فراغية فأثناء الضربات التالية كنت قريباً من مكان تمّ قصفه حيث كان هنالك ضغط وانفجار قوي جداً سبب لي ولأصدقائي صداعاً استمر حتى اليوم التالي. وبلغ عدد الشهداء الإجمالي ممكن استطاع الدفاع المدني توثيقهم (114) أمّا عدد المصابين فقد كان (450) مصاباً. كان حجم الدمار هائلاً جداً."

استهدافات أيام 17 إلى يوم 21 آب 2015

بين يومي 17 آب و 22 آب، قامت طائرات النظام بشن هجمات عسكرية مرعبة مستهدفاً بالطيران الحربي مساكن المدنيين. وقد قام الباحث الميداني في مركز توثيق الانتهاكات في ثائر الحجازي بالإفادة بما بما يلي:

"استمر استهداف مدن الغوطة الشرقية وتحديداً مدينة دوما بعد يوم مجزرة 16 آب 2015 بعشرات القذائف والصواريخ في الأيام التي تلت المجزرة الكبرى بشكل كبير وكثيف جداً، ولكن ما ساعد على انخفاض عدد الضحايا هو (حظر التجوال) الذي تمّ فرضه على المدنيين من قبل أعيان المدينة والفعاليات المدنية، حتى لا يتم استهداف نقاط تجمعهم كما حدث من قبل، ولأول مرة في تاريخ المدينة لم يقم المواطنون المسلمون في يوم الجمعة بالذهاب لصلاة يوم الجمعة وأداء شعائر الصلاة المعتادة بسبب خوفهم من استغلال تجمّع المئات من سكان المدينة في الجوامع من قبل القوات الحكومية وإعادة استهدافهم. ولكن رغم ذلك فقد قضى سبع مدنيين في تاريخ  17 آب 2015  بسبب عمليات قصف طالت سكان ومدنيين بشكل عشوائي. أمّا في 18 آب فقد استمر القصف الذي طال الأحياء السكنية في دوما وسقط العديد من المصابين آنذاك. وفي يوم 19 آب لم يقتصر القصف على مدينة دوما وحدها ولكن أعيد قصف عدّة مدن ووبلدات مختلفة في الغوطة الشرقية منها (حرستا وحمّورية وكفربطنا وعربين ودوما) وسقط العشرات من المدنيين مرة أخرى مابين قتلى ومصابين، استطعنا توثيق معظمهم بالاسم، فقد استهدفت مدينة حرستا بأكثر من عشر غارات جوية وكان من بين الأماكن التي تم استهدافها مقر المجلس المحلي في المدينة ومقر الدفاع المدني مما أدرى إلى سقوط تسع مدنيين كان معظمهم من موظفي المجلس المحلي وأحدهم من متطوعي الدفاع المدني في سوريا. وتلى ذلك غارتين جويتين على مدينة دوما."

وفي يوم 20 آب 2015 بدأ القصف مجدداً على مدينة دوما، ففي حوالي الساعة الثانية عشر ظهراً قام الطيران الحربي بتنفيذ غارتين جويتين، استهدفت الأولى بناءً سكنياً بالقرب من (ساحة الشهداء) وقضى فيها المدني حسان حامد الخنشور وتضرر البناء وخاصة الطوابق الأرضية منه واحترقت خمس سيارات كانت متوقفة أمام البناء. أمّا الغارة الثانية فكانت بنفس المنطقة تقريباً ولكن على بعد 200 متر فقط من الغارة الأولى وأيضاً استهدفت مكاناً مدنياً أدت إلى مقتل خمس مدنيين وتضرر بناء كامل نتيجة صقوط الصاروخ عليها واحترق محل للوقود كان موجوداً بجانب البناء واحترقت أربع شقق سكنية وتضررت خمس محال تجارية.

هجمات يوم 22 آب 2015 في دوما

كانت المجزرة التي وقعت في هذا اليوم أشبه بمجزرة يوم 16 آب بحسب تعبير الباحث ثائر حجازي، ففي حوالي الساعة الثانية والنصف ظهراً تم قصف المدينة بواسطة صاروخ أرض-أرض كان مصدره أحد المناطق الخاضعة لسيطرة قوات النظام (جبل محيط بمدينة دوما بالقرب من منطقة حفير تحتا) وذلك بحسب شهود عيان مباشرين رأوا لحظة انطلاق الصاروخ.

قال حجازي في شهادته عن ذلك اليوم:

"استهدف الصاروخ الأول منطقة مدنية تهدّمت على إثره ثلاثة أبنية سكنية مليئة بالمدنيين بالكامل تبعه صاروخ آخر استهدف منطقة الحميرة وأدى إلى تدمير أربع أبنية على الفور، وسقط صاروخ ثالث في منطقة الحميرة أيضاً ولكنّه كان أقل تأثيراً من الصاروخين الأول والثاني. وعلى الفور سقط عشر ضحايا مدنيين كحصيلة أولوية للصواريخ الثلاثة، لكن النظام لم يكتف بذلك فتابع استهداف أماكن سقوط الصواريخ وأماكن أخرى بقذائف الهاون والصواريخ وقتل على الفور ست مدنيين آخرين سقط معظمهم في منطقة السوق التجاري (بالقرب من التربة). وبعدها بدأ عناصر الدفاع المدني وجيران وأقرباء المدنيين الذي بقيوا تحت الأنقاض بمحولات الإنقاذ، ولكن الإمكانيات كانت محدودة مقارنة مع هول الكارثة وتزايد أعداد القتلى والمصابين وقلة الآليات عند الدفاع المدني، وفي البناء الموجود بالقرب من جسر مسرابا كانت هنالك عائلة كاملة من (آل عيسى) تحت الأنقاض، أخرجنا منهم خمس أشخاص من بينهم طفلين، ولكن بقية العائلة ما زالت في عداد المفقودين حتى الآن. وقد بلغ حصيلة عدد الضحايا في ذلك اليوم أكثر من أربعين مدنياً والعديد من المفقودين _ما لا يقل عن عشرة مدنيين- تحت الأنقاض ممن لا نعرف عنهم شيئاً، فقد كان عدد الأبنية أربع مباني وكل مبنى مؤلف من ثلاث طوابق انهارت بشكل كامل فوق رؤوس ساكنيه من المدنيين."

وقد كان المكتب الطبّي الموحد في مدينة دوما قد أعلن أنّه استقبل في ذلك اليوم (120) جريحاً كحصيلة أولية عقب الساعة الأولى بعد القصف ومباشرة، وعشرين جثّة لأناس فارقوا الحياة وذلك قبل البداء بعمليات الإنقاذ وانتشال الجثث من تحت الأنقاض.

قال الناشط الإعلامي يوسف البستاني لمركز توثيق الانتهاكات في سوريا أنّ عدّة صواريخ أرض-أرض عدّة أبنية سكنية في منطقة سكنية بحتة ونفى نفياً قاطعاً أن تكون هنالك أيّ مقرات عسكرية قريبة على مكان سقوط الصواريخ، وأضاف:

"بعد وصولي إلى مكان سقوط الصواريخ رأيت ثلاثة مباني سكنية قد سويت بالأرض بشكل كامل، وقال لنا الجيران أنّ هنالك عائلة كاملة مازالت تحت الأنقاض وما لا يقل عن عن (25) مواطناً، وقد شاهدت عدّة شهداء من بينهم أطفال كان قد سقط عليه جدار أودى بحياته، وهذه المرة لم تكن قد استهدفت من قبل وهي معروفة أنّها منطقة مدنية وتتميز ببعض الكثافة السكانية، وخرجت امرأة وطفلتها فقط أحياء من تحت الأنقاض، وبعد قليل سقط صاروخ أرض-أرض ثاني على منطقة سكنية أخرى قريبة قتلت فيها على الفور عائلة مؤلفة من الأب والأم وابنهما واستمرت الغارات بعد ذلك مترافقة مع سقوط العشرات من الصواريخ وقذائف الهاون."

ولم يتوقف القصف على مدن وبلدات الغوطة الشرقية وخاصة مدينة دوما حتى كتابة هذا التقارير فقد تم توثيق عشرات الغارات الجوية وتوثيق سقوط عشرات الصواريخ والقذائف بشكل غير مسبوق على المناطق السكنية، وسوف يقوم المركز بإصدار تقرير آخر خاص بالأحداث التي تلت يوم 22 آب 2015.

التقييم القانوني:

يعتبر الوضع في سوريا منذ تموز 2012 على أنه نزاع مسلح غير ذي طابع دولي. وعليه فإن قواعد القانون الدولي هي واجبة التطبيق بالكامل، ولاسيما القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة. وبالأخص، فإن المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف عام 1949 هي واجبة التطبيق على كل الأراضي السورية، وعلى كل الأطراف النزاع.

إن المبدأ الذي يقضي بأنه يجب على أطراف النزاع أن يميزوا في كل وقت بين المدنيين والمقاتليين، هو حجر الزاوية في القانون الدولي الانساني العرفي. يجب أن لا توجه الهجمات إلى المدنيين.  يضاف إلى ذلك، بأنه يحظر على الأطراف في كل أنواع النزاعات المسلحة وفق أحكام القانون الدولي الانساني مهاجمة الأعيان المدنية، لاسيما تلك التي لاتساهم إسهاماً فعالاً في العمل العسكري سواء بطبيعتها أو غايتها أو موقعها أو استخدامها.

تمثل الهجمات على جميع بلدات الغوطة الشرقية التي يغطيها هذا التقرير، والتي يقوم بها الطيران الحكومي السوري، الذي يتمتع باحتكاره للسماء في تلك المنطقة، استهدافاً متعمداً لأسواق معروفة بأنها شعبية وموجودة في أماكن مكشوفة، وفي ذروة توافد المدنيين إليها. إن السوق الشعبية هو مكان مدني بطبيعته وغايته، من وجهة نظر القانون الانساني الدولي المطبق. كما أن جميع ضحايا هذه الهجمات هم من المدنيين. يوجد بشكل خاص نسق ممنهج للاستهداف العمدي للأماكن المدنية والمدنيين. لقد تم استهداف سوق الهال في دوما لمرتين على الأقل في يومي 12 آب و16 آب، وفي كل مرة جرى ذلك عن طريق حملة جوية مركزة عليه. كما أن استهداف منطقة الحميرة السكنية في دوما ما هو إلا مثال آخر على هجمات تستهدف علناً مساكن المدنيين. لقد تم شن هذه الهجمات عن طريق حملة مركزة استخدمت فيها صواريخ أرض-أرض، وقذائف مدفعية مستهدفة نفس مساكن المدنيين. وكان قد وثق مركز توثيق الانتهاكات وأدان في كثير من المرات خلال السنوات الثلاث الماضية العديد من الهجمات المماثلة ضد نفس البلدات.

تشكل الهجمات العشوائية على المدنيين انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الانساني، وذلك وفق القانون الدولي الإنساني العرفي. وهي بناءً على ذلك تشكل جرائم حرب. حيث يتحمل القادة الذي أصدروا الأوامر المسؤولية الجنائية الفردية عن هذه الهجمات، إضافة إلى كل من ارتكب أو سهل أو ساعد أو قدم العون لارتكاب هذه الهجمات التي هي جرائم حرب.

كما أن الهجمات الموثقة على بلدات دوما وسقبا، وزملكا ومسرابا وعربين بين 12 آب و 16 آب 2015، يمكن أن تشكل جرائم ضد الإنسانية وفق تعريف اجتهاد محاكم الجنايات الدولية وكذلك المادة 7 من اتفاقية روما المتضمنة النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية. إن قتل المدنيين بانتهاك للقانون الدولي الانساني، وفق ما تم بيانه آنفاً، يشكل جريمة "القتل العمد" وهو من الأفعال الأساسية المشكلة للجريمة ضد الإنسانية. إن ازدياد عدد حوادث القتل العمد على النحو الموثق في هذا التقرير يشير إلى هجوم واسع ضد السكان المدنية، وهو شرط ظرفي أساسي للجرائم ضد الانسانية. ويبدو بأن هذا الهجوم ضد السكان المدنيين يأتي في سياق هجوم "واسع النطاق" و "منهجي" في آن واحد، حيث يرقى إلى مرتبة الجريمة ضد الإنسانية. إن درجة الهجمات الموثقة في هذه التقرير، بما في ذلك القتل العمد والضحايا من الشهداء الذين نجموا عن ذلك تعطيه صفة الهجوم "الواسع النطاق".

كما أن الطابع المنهجي يمكن تبينه من مصدر كافة الهجمات الموثقة في هذا التقرير، وهو القوى الجوية السورية، والتي تشير إلى تخطيط عالي المستوى واستخدام للموارد العامة. كما أن اضطراد الهجوم على أماكن مدنية مكتظة بالسكان في الغوطة الشرقية والغربية تحديداً، يجعل من المحتمل أن لا تكون القوى الجوية للنظام تستهدف أي هدف عسكري، بل تتصرف في إطار خطة ممنهجة لإثارة أو إكمال أفعال تهدف إلى "إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان" إلى خارج الغوطتين الشرقية والغربية، وذلك عن طريق جعل الحياة مستحيلة في تلك البلدات من خلال الحصار الطويل والهجوم عليها بشكل متعمد لينجم عن تلك الهجمات مذابح مروعة، تهدف إلى تطهير وتنظيف ما يراه النظام مناطق ساخنة حول دمشق،.

في الوقت الذي وقعت فيه الهجمات الموثقة في هذا التقرير، كان مسؤولو الأمم المتحدة موجدين في دمشق يجرون محادثات دبلوماسية مع ممثلين عن الحكومة السورية. كانت الهجمات الموجهة ضد بلدات الغوطة الشرقية تستخدم موارد الدولة والسلطة العامة ضد السكان المدنيين في الدولة. مضت ثلاث سنوات لكي تتمكن الأمم المتحدة من الاتفاق على إنشاء آلية تحقيق لتحديد المتورطين في استعمال المواد والأسلحة الكيماوية ضد السكان المدنيين. إلا أن الموت والجسد مقطع لأشلاء ليس أقل وطأة من الموت والجسد باق على حاله قطعة واحدة بعد استنشاق مواد كيماوية. وفيما عدا كلمات الإدانة التي أصبحت مع الوقت باهتة، فإن الأمم المتحدة لا تلاقي حاجة المدنيين السوريين العاديين في مطلبهم الأساسي أن يتم الاعتراف بأن المذبحة التي تجري على حياتهم هي بفعل من يملك مقدرات السلطة العامة. إن الليونة حتى في كلمات الإدانة تجعل مرتكبي الجرائم أكثر تجبراً. يحتاج المدنيون في الغوطتين الشرقية والغربية لأفعال وليس لكلمات. وحده العمل الجدي لإنشاء آليات محاسبة فعالة وذات مصدقية كفيل بأن يخفف معاناة المدنيين في النزاع السوري.


 وهو اسم يطلق في سوريا على سوق كبير للخضار والفواكه إضافة إلى مواد غذائية آخرى يتم اللبيع فيه عن طريق الجملة.[1]

 وهي عبارة عن عربات صغيرة يستخدمها الباعة الجوالون لوضع البضائع عليها وبيعها في الشوارع والأزقة أو الأسواق العامة.[2]



-------------------------------------------------------------------
لأية ملاحظات أو أسئلة يمكن التواصل معنا عبر بريدنا الالكتروني
editor@vdc-sy.info

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة العربية
http://www.vdc-sy.org/index.php/ar/reports

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة الإنكليزية
http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/