شهادات من الضحايا  ::   شهادة المعتقل: مازن بسيس الحمادة حول فرع المخابرات الجوية – مطار المزة العسكري


شهادة المعتقل: مازن بسيس الحمادة

حول فرع المخابرات الجوية – مطار المزة العسكري

ومشفى 601 العسكري – دمشق المزة

مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

اكتوبر تشرين الاول 2013

مقدمة:

كثر الحديث عن الفظاعات والجرائم التي ترتكب في المشافي العكسرية التي يتمّ تحويل المعتقلين المرضى إليها؛ من تعذيب وضرب وإهانة وقتل خارج نطاق القضاء في عشرات الحالات، ولعلّ أبرز هذه المشافي في العاصمة دمشق، هو مشفى تشرين العسكري في برزة ومشفى 601 العسكري والذي يقع في حي المزة وسط دمشق.

يحاول مركز توثيق الانتهاكات في سوريا جمع أكبر قدر من الشهادات حول حقيقة الجرائم التي تتم على يد عناصر الأمن السوري، وتنبع أهمية شهادة المعتقل مازن حمادة كونه تعرض لأقسى أنواع التعذيب من جهة وأنّه كان شاهداً على العديد من الفظاعات التي تمتّ في "المشفى المسلخ" حسب تعبيره ويقصد به المشفى 601 العسكري في حي المزة، بعد أنّ تمّ نقله من فرع المخابرات الجوية بدمشق، مطار المزة العسكري.

مازن بسيس الحمادة من مواليد محافظة دير الزور، مدينة الموحسن ويبلغ من العمر 36 سنة، أحد خريجي معهد النفط، وكان يعمل موظفاً في شركة "شمبرجير" الفرنسية للتنقيب عن النفط في محافظة دير الزور بصفة فنّي. اعتقل ثلاث مرات منذ بداية الثورة السورية؛ فكان الاعتقال الأول بتاريخ 24-4-2011 على يد فرع أمن الدولة بدير الزور، والذي دام حوالي أسبوع، أمّا الاعتقال الثاني فكان بتاريخ 29-12-2011 من قبل الفرع نفسه، وذلك أثناء عودته من دمشق على أحد الحواجز العسكرية في مدخل مدينة دير الزور، ودام نحو أسبوعين، وأمّا الاعتقال الثالث والذي كان الأطول في المدّة والأشرس في التعامل فكان بتاريخ 1-3-2012 من قبل عناصر من المخابرات الجوية في دمشق وتحديداً في مقهى ساروجة بوسط دمشق، يقول مازن:

لم تمضِ عدة دقائق على مغادرة طبيبة من مشفى المجتهد الطاولة التي كنّا نحتسي عليها الشاي في مقهى ساروجة بوسط دمشق، حتى قدم إلينا عدد من العناصر الأمنية والذين طلبوا منّا إظهار هوياتنا، وبعد التدقيق في الهويات طلبو منّا الذهاب معهم وكنت أنا وأولاد أخوتي الاثنين، ثم اقتادونا إلى مكان مجهول بواسطة سيارة "هونداي" مدنية، بعد أن غطوا رؤوسنا بواسطة الثياب التي كنّا نرتديها، علمنا لاحقاً أنهم اقتادونا إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري بدمشق.

1 – في مطار المزة العسكري:

عند وصولنا إلى المطار "مطار المزة" وتحديداً إلى ما كان يسمى مبنى الدراسات بدأت العناصر باستقبالنا بالضرب الشديد بواسطة "انبوب أخضر بلاستيكي" وكان الضرب يتمّ على منطقة الرأس والظهر بشكل مباشر، ثمّ قاموا بوضعنا في احد أماكن الاحتجاز الجماعية وكانت مساحتها 3*4 متراً وكنّا حوالي 70 معتقلاً، معظمهم من مدينة داريا بريف دمشق، وكانت إلى جوارنا غرفة احتجاز أخرى تحوي أيضاً حوالي 70 معتقلاً كان بينهم أكثر من 40 عسكرياً من الجيش النظامي اعتقلوا على خلفيات عديدة منها التفكير بالانشقاق. بقيت هنالك 15 يوماً وبعد ذلك قاموا بتحويلي إلى المهاجع وتسمى "مهاجع أمن الطائرات"، حيث بقيت هنالك 25 يوماً، وبعد ذلك تمّ تحويلي إلى قسم التحقيق القديم حيث بقيت حوالي شهرين، ثم تمت المناداة على اسمي إيذاناً منهم ببدء عملية التحقيق معي.....

قاموا بتكبيل يدي ووضع "الطميشة" على عيني ثم أخذوني إلى "باحة التنفس" وهنالك كنت اسمع أصوات المعتقلين الذي يتعرضون للتعذيب، وعند وصولي إلى غرفة المحقق سألني عن توجهاتي السياسية واتهمني بالعمل مع التنظيمات الإسلامية، فأنكرت على الفور وقلت أنني أحد أعضاء حزب الشعب الشيوعي الماركسي، فقام بشتمي وشتم الحزب وأمر العناصر باعادتي إلى المعتقل، فقاموا بأخذي إلى غرفة "جماعية" في مبنى التحقيق القديم أيضاً وكانت تحمل الرقم 15 وكنّا 14 شخصاً بمساحة 2*1.80 سم، وبعد مرور حوالي أسبوعين تمت المناداة على اسمي مرة أخرى، من قبل محقق آخر وطلب مني على الفور الاعتراف بقتل جنود الجيش النظامي والهجوم على الحواجز العسكرية وحيازة السلاح، وقال أنه ذاهب ليدخن سيكارة وبعد عودته يريد الاعترافات على الفور....

صورة ملتقطة من الأقمار الاصطناعية تُظهر الموقع الجغرافي لفرع المخابرات الجوية – فرع التحقيق – مطار المزة العسكري.

وبعد حوالي خمسة دقائق عاد إلى الغرفة وسألني هل ستوقع على هذه الاعترافات أم أجعلك تقولها بالقوة؟؟ فقلت أنني لا أملك أي نوع من السلاح ولم أحمل السلاح يوماً ولم أقتل أي جندي ولم أهاجم الحواجز العسكرية، فنادى على الفور على العناصر وكان اسم أحدهم "سومر" والآخر "سليمان" وأيضاً "هيثم مرهج" من مدينة مصياف بمحافظة حماه؛ كان مواليد 1985 أشقر البشرة، طوله حوالي 170 سم ووزنه حوالي 70 كغ، لديه لحية وكان يلقب بأبو صالح، وأمّا الرابع فكان اسمه "مصطفى عازار" من قرية اسمها "متراس" بالقرب من مدينة صافيتا، في محافظة طرطوس، وكان أكثرهم وحشية وأكثر من قام بتعذيبي، فقد كان ضخماً جداً وكان وزنه يزيد على 120 كغ وطوله أكثر من 190 سم، أسمر البشرة، لديه لحية وشعر قصير يقوم بتمشيطه إلى الخلف – رأيت معظم ملامحهم خلال عملية الضرب ولاحقاً كنت أشاهدهم أثناء خروجنا إلى المرحاض أو

في فترات توزرع الطعام - وأول ما بدأو عملية الضرب، انهالوا عليّ بالضرب بالأيدي والأرجل إضافة إلى الضرب بقوة بواسطة كبل غليظ وخرطوم، كل ذلك لم يشف غليلهم فقاموا بوضعي على الأرض وبدأوا بالدهس على منطقة وكُسرت أربعة أضلاع من قفصي الصدري، وبقيت بعد ذلك مدة شهرين لا أستطيع التنفس بشكل جيد، ثم قاموا بتعليقي من يدي "الشبح" وكنت مرتفعاً عن الأرض أكثر من 45 سم، وحيث أنني لم استطع تحمل ذلك بسبب الألم الشديد كنت اقوم بالصراخ بأعلى صوتي، فقام أحدهم بوضع الحذاء العسكري في فمي وحذرني من مغبة الصراخ ثانية، ونتيجة للألم الشديد طلبت منهم إنزالي بعد أكثر من ربع ساعة وأخذي إلى غرفة المحقق لاعترف بكل شي، وفعلاً اعترفت بحيازة السلاح وحماية المظاهرات ولكنني رفضت الاعتراف بقتل جنود الجيش النظامي، فأعادوني إلى غرفة التحقيق ثانية ثم أمروني بخلع جميع ثيابي، وجاؤا بآلة حديدية وكانت عبارة عن حلقة حديدية ولها يد جانبية تشبه "الملزمة" أو مفتاح "الرنج" وقاموا بوضع "عضوي التناسلي" ضمن الحلقة وكانت اليد متحركة، كلما قاموا بشدّها كانت تضغط على العضو الذكري بشكل أكبر مما كان يسبب ألماً فظيعاً وهددوني أنهم سوف يقطعون عضوي الذكري مالم اعترف بكل شي، وعلى إثرها اعترفت بكل ما طلبوا مني الاعتراف به، خاصة بعد جلبهم " للخازوق" وكان عبارة عن "رمح حديدي" ذو رأس حاد كان يتمّ وضعه في مؤخرة المعتقلين لانتزاع الاعترافات منهم، وفعلاً بعد اعترافي بكل شي قاموا بإعادتي إلى المهجع، ولم أخضع إلاّ إلى جلسة تحقيق شكلية بعد حوالي أسبوع من الجلسة الرئيسية.

صورة تخيلية للآلة التي تضغط على العضو التناسلي:

ثم بعد ذلك قاموا بأخذي إلى "أمن الطائرات" مرة أخرى، وبقيت هنالك من شهر تموز 2012 إلى كانون الأول 2012 ثم بعد ذلك اي في بداية عام 2013 قاموا بنقلي مع حوالي 50 معتقلاً آخراً إلى "المبنى الجديد" وتم ايداعي مع 12 شخصاً آخراً في الزنزانة رقم 11 وكانت بمساحة 1.10*1.10 سم، وكان من بين المعتقلين معتقل يُدعى طارق الشيخ من مدينة الرستن بحمص، ومعتقل آخر يُدعى طارق قصيدة وكان طبيباً في مشفى المجتهد، وبعد عدة أيام وأثناء ذهابي إلى الحمام "المرحاض" تأخرت قليلاً حيث أنّي كنت أعاني من "الكتم" الإمساك، فلم أجد نفسي إلاّ وقد انهال على خمسة عناصر بالضرب وخاصة على منطقة الخاصرة والبطن، وبشكل عنيف جداً، وقاموا بضربي أيضاً بواسطة "بوري" على منطقة الرأس، واستمرت عملية الضرب أكثر من 10 دقائق حتى بدأت أفقد وعي، عندها قاموا بإعادتي إلى الزنزانة.....

وعند منتصف الليل أحسست بألم شديد في منطقة الخاصرة وعند خروجي إلى المرحاض أصبحت أتبول "دماً" وبدأ الألم يزداد شيئاً فشياً خاصة أنّه لم يكون مسموحاً لنا أن نخرج إلى المرحاض أكثر من مرتين أي كل 12 ساعة، وبقيت على هذه الحالة حوالي عشرة أيام، وذات يوم جاء مدير السجن وكان يُعرف باسم المقدم "سهيل" وسألنا من يعاني من أية أمراض أو لديه اية طلبات؛ فقمت بطلب الإذن بالتكلم، وأخبرته عن مرضي والآلام التي اشعر بها، فطلب من أحد العناصر تسجيل اسمي لتحويلي إلى المشفى، وبالفعل في اليوم التالي وفي حوالي الساعة التاسعة صباحاً تمتّ المناداة على اسمي لأخذي إلى المشفى 601 العسكري، مثلما سمعت العناصر تتهامس.

بعض الحوادث التي أراد المعتقل ذكرها قبل استكمال شهادته حول مشفى 601 في المزة، يقول مازن:

في الشهر السابع من العام 2012 وبعد أن قاموا بأخذي إلى المهجع رقم 15 في مبنى التحقيق القديم، كان رئيس الزنزانة يُدعى مثنى الأحمد من مدينة كرناز في حماه، وكان موظفاً بالبريد ومُتهماً بالتجسس على المكالمات لصالح الثوار، وعند دخولي تفاجأت بأحد المعتقلين وكان مرمياً على الأرض، وكان طويل القامة ونحيفاً وأبيض البشرة وذو شعر أشقر، يرتدي "شورت" قصير، وكان "فاصلاً" أي يعيش في حالة هذيان وكان ممداً في الزنزانة، وعند اقترابي منه أكثر لاحظت أنّه يقوم بالتبول في ثيابه ويتغوط فيها، وكان هنالك الكثير من الدماء على ثيابه، وعندما سألت المعقتلين الآخرين عن السبب، قالوا:

تمّ اتهامه بقتل مدنيين من الطائفة العلوية، وأثناء التحقيق معه وضعوه على "الخازوق" فما كان إلاّ أن انشقت قتحة الشرج لديه، وأصبحت الفضلات تنزل بشكل لا إرادي من فتحة الشرج.. وفي إحدى المرات – يقول مازن - وأثناء أخذنا له إلى المرحاض لمساعدته في تنظيف نفسه حيث أنه شبه فاقد للوعي، ألقيت نظرة على الجرح وكان مثل دائرة مليئة بالدماء والفضلات، كان المنظر مرعباً للغاية.

صورة تخيلية تبين شكل "الخازوق" الذي يتمّ استخدامه في فرع المخابرات الجوية في دمشق:

ويتحدث مازن عن حادثة فظيعة أخرى فيقول:

كان من عادة العناصر الموجودة في الفرع وعندما يذهب أحد المعتقلين ويوقع على إفادته "تبصيم" كان يتمّ ضرب المعتقل بشدة أثناء الذهاب والعودة، وفي إحدى المرات خرج أحد من كان معنا في الزنزانة في الشهر العاشر 2012 وكان اسمه "محمد العزب" من مدينة داريا بريف دمشق، وكان يبلغ من العمر 17 عاماً، وكان قد أقرّ تحت التعذيب الشديد بالقتل، رغم أنّه ما زال طفلاً، وعند انتهاءه من "التبصيم" على إفادته إنهالت العناصر الموجودة هنالك عليه بالضرب، وكان على رأسهم المساعد حافظ سليمان، وأمّا العناصر فكانوا: عنصر من آل شحود والعنصر الآخر هو نفسه مصطفى عازار وكان هنالك عنصر آخر يُدعى دانيال من محافظة اللاذقية، ثم بدأو بالضرب على منطقة الرأس بواسطة "بوري حديد" وبعد ذلك قاموا بجلب "قداحة الشلمونة" - وهي عبارة عن آلة تستعمل عادة في تلحيم وتصليح البرادات – ثم قاموا بحرق وجهه وخاصة الخديّن، وأيضاً قاموا بحرق منطقة الرقبة من الخلف ونتج عن ذلك العديد من الأماكن المحروقة من جسده.

2 – في "المشفى المسلخ" المشفى 601 العسكري، المزة، دمشق:

بين منتصف شهر كانون الثاني وبداية شهر شباط وفي أحد الأيام وحوالي الساعة الثامنة صباحاً تمّت المناداة على اسمي من قبل عناصر الفرع، ثم قاموا بتغطية عينيّ بواسطة "الطميشة" وطلبوا مني الصعود على أحد الأسرة وعند صعودي قاموا بدفعه بطريقة عنيفة جداً مما أدى سقوطي عن السرير وارتطامي بالأرض ضمن سيارة الإسعاف، وأثناء أخذي إلى المشفى إنهالت العناصر الأمنية بالضرب الشديد علي مستخدمين "أخمص البارودة" والركل بالأقدام خاصة على مناطق الرأس والبطن وكان أحد العناصر يقول باللغة العامية: "بلكي يموت قبل ما يوصل على المشفى".

بعد أن وصلتُ إلى المشفى تفاجأت بثلاث ممرضات وأربع ممرضين يحملون أحذيتهم ومن ثمّ قاموا بضربي وإهانتي بشكل لا إنساني وكان الضرب يتمّ على منطقة الوجه أكثر من المناطق الأخرى، وكانوا يرددون كلاماً من مثل" إنّه من الإرهابيين وقد قام بقتل أهلنا وأطفالنا ... ثم جاء أحد الأطباء وقال لي يجب أن تنسى اسمك لإننا سوف نعطيك رقماً هنا، وكنت أحمل الرقم ( 1858 ) وقام بأخذي إلى إحدى الغرف وطلب من أحد الممرضين تعليق "سيروم" لي، فما كان من الممرض إلا أن قام بجرح يدي وعلّق لي "سيروماً" مستعملاً، وبعدها أنزلوني إلى الطابق السفلي حيث كان هنالك غرفتين: الأولى تابعة للمخابرات الجوية والثانية تابعة للأمن العسكري شعبة المخابرات العسكرية، وقاموا بتقييدي إلى السرير مع أربعة

معتقلين آخرين وطلبوا مني حمل "السيروم" بيدي وعدم تعليقه كنوع من العقوبة ...... ثم بعد أن انتهى "السيروم" ناديت على أحد الممرضين لفكه فما كان منه إلاّ أن سحبه بقوة شديدة مما أدى إلى نزول الكثير من الدم من مكان الإبرة المجروحة أصلاً وقال باللغة العامية: " بس تموت راح نشيلك ونكبك بالزبالة ....."

من بين الأشخاص الذين كانوا بجواري إلى السرير – وكان يمنع على المرضى التكلم مع بعضهم البعض - ولكني كنت قادراً على رؤيتهم من تحت قطعة القماش التي غطوا بها عيناي، حيث كان هنالك أحد المعتقلين فاقداً للوعي ويعاني من شق في الجمجمة "كانت دماغه ظاهرة" حيث كان قد تعرض للضرب الشديد على راسه مما أدى إلى حدوث شق كبير في رأسه وكان ما بين الحياة والموت، وكان هنالك معتقل آخر على السرير وكان قد تعرّض للضرب الشديد على قدميه "الفلقة" حتى أصبحت كأنها "أقدام فيل" وكانت منتفخة جداً من الضرب حيث كان الانتفاخ غير طبيعي أبداً وكان وزنها حوالي 40 كغ لوحدها، وكانت آثار الضرب بادية على جميع أنحاء جسمه.

في نفس اليوم وفي حوالي الساعة الثانية عشر مساءً قمتُ بالمناداة على أحد الحراس، وطلبت منه أخذي إلى المرحاض لقضاء حاجتي، عندها أمر السجان أحد عمّال السخرة وكان من مدينة داريا بريف دمشق بأخذي إلى المرحاض الذي كان يفوح برائحة كريهة جداً يصعب على الإنسان استنشاقها، وكانت دورات المياه مؤلفة من مرحاض وحمام وغرفة ثالثة تتواجد فيها مغسلة صغيرة ...

عندما قمت بفتح باب المرحاض أصبت بالصدمة، فقد شاهدت أمامي ثلاث جثث زرقاء اللون، وكانوا فقط بملابسهم الداخلية ولهم لحى طويلة وشعر طويل – كان يبدو عليهم أنّهم ممن أمضوا فترة اعتقال طويلة في المعتقلات – وكانت عيونهم قد تمّ اقتلاعها خلال عمليات التعذيب، وكان قد تمّ وضعهم فوق بعضهم البعض ....

أغلقت الباب فوراً وذهبت لافتح باب الحمام لقضاء الحاجة هنالك، فإذا بي أشاهد جثتين أخريين مع لباسهم الكامل وكان أيضاً لهم شعر طويل ولحى طويلة أيضاً ، ولكن كان يبدو عليهم علامات الموت القريب؛ أي أنّهم ماتوا نتيجة التعذيب قبل فترة قليلة ...

وعلى الفور قمت باغلاق باب الحمام لاتجه نحو الغرفة الصغيرة التي تحتوي مغسلة هنالك فرأيت أيضاً جثة شاب يافع يبلغ من العمر حوالي 17 عاماً وكان أبيض البشرة وذو شعر أشقر وكان فقط مرتدياً لباسه الداخلي، وكانت آثار التعذيب بادية جداً على جسمه النحيل وكانت هنالك علامات بالحرق إمّا بالماء المغلي أو بالزيت الحارق أو مادة أخرى....

ومن ثمّ عدتُ أدراجي إلى الغرفة وكانت علامات الخوف بادية علي، فسألني السجان ما بك؟ فقلت له هنالك جثث في الحمامات، ولكنه لم يعر أي انتباه لكلامي وكان هذا السجان قد لقب نفسه "عزرائيل".

عزرائيل كما كان يريد أن يناديه الآخرون هو أحد السجانين من آل شحود من محافظة طرطوس، كانت مهمته تتلخص في قتل من يشارف على الموت ......

أمّا عن الطريقة فيحدثنا الشاهد مازن حمادة قائلاً:

كان "عزرائيل" يحمل عادة في يده "بوري" من الحديد، ويأتي في آخر الليل بعد أنّ يكون قد وصل إلى درجة كبيرة من الشرب "السكر" فيخاطب المعتقلين المرضى: حكمت المحكمة الإلهية عليك بالخلاص .... وكان يختار ضحاياه من بين المعمّرين في السن وينهال بالضرب عليهم وخاصة على منطقة الرأس حتى يفارقوا الحياة، هذا على لسان عامل السخرة من مدينة داريا والذي أضاف أنّ هنالك كل أسبوع ما بين 15 إلى 20 جثة يتمّ أخذهم إلى مكان غير معلوم بواسطة "براد" كبير ....

بعد يومين بالضبط تفاجأت بجلبهم لأحد المعتقلين وكنت قد قابلته عن طريق الصدفة في مطار المزة العسكري وكان من منطقة شبعا بريف دمشق، وكان يعاني من التهابات جلدية مزمنة نتيجة البيئة السيئة للمعتقل إضافة إلى إصابته بمرض البرص "البهاق الجلدي" وأيضاً مرض الجرب، وأتذكر جيداً من كان يقوم بعملية تعذيبه في مطار المزة العسكري؛ كان أحدهم يُدعى "فواز الظبيع" من أبناء الجولان "مهام خاصة" وعنصر آخر من مدينة دير الزور يُدعى"فايز" وكان من بلدة محكان، وعنصر آخر من مدينة المالكية "ديريك" كردي اسمه"يوسف"، كان والده يعمل في حقول رميلان النفطية، وكان مجند من مطار عقربة، وانشق لاحقاً وسافر إلى مدينة أربيل في كردستان العراق.... وعند المجيء بالمعتقل كان "فاصلاً" اي فاقداً للذهن، ووضعه الحراس على نفس السرير الذي كنت جالساً عليه، ومثلما ذكر لي عامل السخرة تماماً جاء عزرائيل بعد منتصف الليل حاملاً "بوري حديد" في يده وكانت رائحة الخمر تفوح منه، ثم بدأ بالضرب المبرح على منطقة الرأس للمعتقل حتى أغمي عليه بشكل كامل وكانت دماءه تملأ المكان، وفي اليوم أي بعد عدة ساعات فقط فارق الحياة بشكل نهائي فقمت بالمنادة على عمال السخرة الذين جاؤا وقاموا بأخذه إلى الحمامات....

في اليوم الرابع من تواجدي في مشفى 601 حضر الطبيب وقمت بالطلب منه راجياً السماح لي بالعودة إلى فرع المخابرات الجوية، فقال لي: لكنك لم تتحسن بعد، فأجبته لا سيدي تحسّن وضعي الصحي بشكل ممتاز وأريد العودة، فقام بتسجيل اسمي وفعلاً في صباح اليوم الخامس جاءت سيارة تابعة للمخابرات الجوية وقامت بنقلي من مشفى ال 601 إلى مطار المزة العسكري، وبعد وصولي استقبلني أحد العناصر وكان يُدعى حافظ سليمان من مدينة بانياس محافظة طرطوس وقال: هذا الكلب لسى ما مات؟؟ فأمر بتعليقي إلى السقف بعدما قاموا بتقييد يدي "الشبح" ثم بدأو بضربي بالعصي والأحذية واستمرت العملية حوالي نصف ساعة ..... وكانت تلك آخر عملية ضرب أتعرض إليها حيث بقيت مدة شهر ونصف في مهجع يسمى "التنفس" وكان يشرف عليه أحد الأطباء المعتقلين ويُدعى طارق قصيدة والذي كنت قد قابلته سابقاً، ومن ثم قاموا

بتحويلي إلى الشرطة العسكرية في القابون بتاريخ 1-6-2013 ومنه إلى سجن عدرا المركزي بتاريخ 5-6-2013 حيث بقيت هنالك حوالي شهرين حيث تمّ تحويلي بعدها إلى محكمة الإرهاب في دمشق، ليأمر القاضي بإخلاء سبيلي، ولكن كانت هنالك بطاقة بحث أمنية باسمي من قبل قسم الأمن الجنائي في باب مصلى حيث تمّ تحويلي إليه ومنه إلى فرع الفيحاء التابع للأمن السياسي وبقيت هنالك 8 أيام ليتم تحويلي مرة أخرى إلى القضاء وليتم الإفراج عني بتاريخ 3-9-2013.

أجرى المقابلة: الزميل بسام الأحمد

صورة عن "طلب إثبات وجود" للمعتقل أثناء وجوده في سجن عدار المركزي في دمشق:



-------------------------------------------------------------------
لأية ملاحظات أو أسئلة يمكن التواصل معنا عبر بريدنا الالكتروني
editor@vdc-sy.info

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة العربية
http://www.vdc-sy.org/index.php/ar/reports

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة الإنكليزية
http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/