شهادات من الضحايا  ::   شهادة أحد النشطاء حول الفرع 285 أمن الدولة


شهادة أحد النشطاء حول

الفرع 285 أمن الدولة

مركز توثيق الانتهاكات في سوريا

آب 2013



لتحميل هذا التقرير كملف PDF

مقدمة :

يتبع الفرع (285) لإدارة أمن الدولة أو كما يُسمى جهاز إدارة المخابرات العامة، والذي يتبع بدوره لوزارة الداخلية، ويقع الفرع المذكور ما بين مشفى المجتهد- مشفى دمشق - ودوار كفرسوسة، ويطل على شارع "أبو الدرداء" وهو موجود ضمن مجمع أمني ضخم يضم إلى جانبه الفرع الإداري في إدارة المخابرات العامة، ويحتوي على عشرات أماكن وغرف الاحتجاز. الإحداثيات:

33.499805N, 36.291313E

- قام مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، بإجراء مقابلة مع أحد شهود العيان، وهو معتقل سابق في هذا الفرع حيث أمضى عدة أشهر متتالية فيه، وهو الطالب الجامعي والناشط (أحمد*) 29 عاماً، أحد المتظاهرين الذين كانوا يشاركون في المظاهرات السلمية التي كانت تعمّ مدينة دمشق وبالأخص حي الميدان الدمشقي منذ انطلاقة الثورة السورية، قبل أن يصبح ناشطاً في إحدى تنسيقيات دمشق.

في شهر أيار 2012 تم اعتقال اثنين من النشطاء الميدانيين من أصدقاء أحمد والذين أقرّوا تحت التعذيب الشديد عن بعض نشاطات أحمد، حيث تمّ الاتصال به من - الكلية - والطلب منه المجيء إلى الجامعة - كلية العلوم - للسؤال عن بعض الأمور المتلعقة بالتسجيل، وعند ذهاب أحمد تفاجأ بوجود أحد عناصر الأمن واقتياده إلى "فرع الحزب" ضمن حرم كلية الحقوق في جامعة دمشق وهو المبنى الموجود بجانب مبنى اتحاد الطلبة في منطقة البرامكة وسط دمشق، حيث انتظر قليلاً إلى أن جاءت سيارة تابعة لإحدى الجهات الأمنية واقتادته إلى أحد الأقبية.

- يقول أحمد:

انتظرت في فرع الحزب حوالي نصف ساعة قبل أن تأتي سيارة أمنية كحلية اللون عرفت لاحقاً أنها تابعة لفرع الأمن السياسي الواقع في ساحة الميسات بدمشق أو كما يسمى - فرع الجبة - كان العناصر الأربعة ضمن السيارة مدججين بالسلاح، حيث طلبوا مني خفض رأسي إلى الأسفل وقاموا بتغطية رأسي بواسطة السترة - كنزة - التي كنت ارتديها، ثم بدأوا بالضرب على جسمي وخاصة على منطقة العنق والظهر.

عند وصولنا إلى الفرع المذكور قاموا بإنزالي إلى الطوابق السفلية "القبو"، حيث جاء أحد المحققين- كان يتكلم بلهجة أهالي دير الزور - وكان أسمر اللون وأصلع الراس، وبدأ بسرد التهم الموجهة إلي، وبعد عملية التحقيق قام بكتابة ورقة بعنوان تصريح تتضمن كل التهم الموجهة إلى وطلب مني التوقيع عليها، وبالفعل قمت بذلك، وبعد ذلك قاموا بتقييدي من يدي إلى سرير كان موجوداً هناك بواسطة - الكلبشة - حيث بقيت على هذه الحالة مدة خمسة أيام متتالية، فقد كانوا يحضرون لي الطعام ثلاث مرات في اليوم، وحرموني من شرب الماء يومين متتاليين، ومن الذهاب لقضاء الحاجة - الحمام - مدة ثلاثة أيام متتالية، وفي اليوم الخامس شاهدني أحد الضباط فاستفسر عن سبب وجودي هنا، فأجابه أحد العناصر أنني موجود هنا منذ خمسة أيام، حيث وقف أمامي وقام بركلي مرتين على منطقة الصدر والوجه، ثم أمر بنقلي إلى الزنازين السفلية.

* نتحفظ على الاسم الكامل للشاهد لأسباب أمنية.

أدخلوني في غرفة صغيرة جدا بمساحة 2*3 أمتار مع أحد عشر شخصاً آخر، كانت تسمى "الجماعية" حيث كنا نتناوب على فترة النوم، وكانت الغرفة تحوي على -حمام- صغير لقضاء الحاجة وحتى لتأمين مياه الشرب، أمّا الإستحمام فقد كان

يتمّ كل يوم خميس لجميع المعتقلين ولكن لدقيقة واحدة وأحياناً حتى بدون توفر الصابون، كان يتم ضرب المعتقلين وتعذيبهم بدرجات متفاوتة وكانت تهوية المكان سيئة جدا ولا يوجد منفذ لدخول الشمس ولا أي منفذ لتغيير هواء المكان.

بقيت على هذه الحالة مدة شهر وسبعة أيام، إلى أن قاموا بالمناداة على اسمي مع شخصين آخرين وتمّ اقتيادنا إلى القصر العدلي بدمشق، ولكنهم لم يعرضونا على القضاء بل قاموا بتسلمينا إلى عناصر من فرع أمني آخر عرفنا لاحقاً أنه الفرع 285 أمن الدولة، التابع لإدارة المخابرات العامة، كفرسوسة، دمشق.

في الفرع 285 أمن الدولة .....

أثناء أخذنا إلى فرع أمن الدولة قاموا بتغطية رؤسنا مرة أخرى بواسطة ثيابنا، وأدخلوني مع شخصين آخرين إلى الحجرة الخلفية للسيارة الأمنية "الطبون" وكانت نوع "ستيشن" وهي سيارة بيضاء اللون طويلة قليلاً تعرف باستخدامها من قبل فرع أمن الدولة بشكل عام، عند وصولنا "استقبلنا" أحد العناصر هناك بعد عملية التفتيش، بعد أن طلبوا منّا خلع كافة ثيابنا ما عدا الداخلية منها، ثم بدأت عملية الضرب المبرح من قبل أحد العناصر الموجودين وأتذكر اسمه جيداً فقد كان يُلقب بأبو العباس واسمه سومر (سومر القصير) ويتكلم اللهجة الساحلية، وأعتقد أنه كان برتبة مساعد، كانت عملية الضرب تتم بالكرباج والهراوات والركل والضرب بالأيدي مع سيل هائل من الشتائم، ثم أخذوني إلى "جماعية" أو كما يسميها الحرس "المزدوجة" - وهي غرفة تحوي على عدد كبير من المعتقلين - وكانت في القسم الشمالي من المبنى بمساحة( 4*3) أمتار حيث كنا أكثر من (50 ) معتقلاً وكنّا جميعاً بالملابس الداخلية وقد بقيت طوال مدة اعتقالي والتي دامت خمسة أشهر بالملابس الداخلية فقط.

من أسوأ الأمور أنّ الزنزانة التي كنت متواجداً فيها لم تكن تحتوي على مكان لقضاء الحاجة "حمام" فكان يسمح لنا بالذهاب لثلاث مرات يومياً وكانت عملية الضرب تتم أثناء الذهاب والعودة وخاصة الضرب بالسوط "الكرباج" على منطقة الظهر، وكان يُطلب من المعتقل أن يقوم بقضاء حاجته "خلال ثواني معدودة"، ومن يـتأخر فوق الوقت المحدد يُعاقب بالضرب المبرح حتى أنه أحياناً كان يتمّ أخذهم إلى القبو لتتم عملية ضربهم على الأرجل "الفلقة".

وكانت عملية الجلوس تتّم بصعوبة بالغة نظراً لضيق المكان وكان أغلب المعتقلين يعانون من مشاكل شديدة في منطقة الركبة والكلام لم يكن مسموحاً به، فكنّا نتكلم مع بعضنا عن طريق الهمس، وأي صوت عالي، كان يُعاقب صاحبه عقاباً شديداً، وكان أيضاً من بين أساليب الضرب هو الطلب من المعتقلين إخراج أيديهم من خلال الشباك الصغير "فتحة الزنزانة" ويتم ضرب

أصابعهم بوحشية حتى يتغير لونها إلى اللون الأزرق وتكون قد انتفخت لدرجة كبيرة، وكان أكثر من يقوم بتلك العملية هو نفسه المساعد "سومر أبو العباس" فقد كان من بين أكثر من يقوم بعملية التعذيب على الإطلاق، إضافة إلى الطلب من المعتقلين الجلوس على ركبهم لساعات طويلة والوقوف والجلوس وهكذا، من باب التعذيب النفسي والجسدي معاً حيث كان جميع المعتقلين يشكون من تورم في منطقة الركبة والتي أصلاً كانت متأثرة بسبب ضيق المكان.
من بين الأمور المضحكة المبكية، هو أنّه اثناء عملية الخروج للحمام، كان يطلب من المعتقلين المشي على ركبهم، وكان يطلب منهم تقليد أصوات كثيرة منها "صوت السيارات" أو آليات أخرى ..... بالإضافة إلى الطلب من المعتقلين أحياناً الدخول إلى الحمام بشكل ثنائي "لقضاء الحاجة" ومن ثم منعهم من غسل أيديهم أثناء الخروج.

في أحد الأيام وأثناء خروجنا إلى الحمام، قام أحد الحراس والمدعو (سومر الطويل أبو العباس) بالطلب مني التوقف لضربي، وأمرني بأن افتح يدي، ثم قام بضربي بطريقة طولية على يدي مما أدى إلى جروح بالغة في يدي، وانتفخت نتيجة الضرب المبرح، ولم استطع النوم لأكثر من يومين نتيجة الألم، وحاولت الحصول على الدواء ولكن عبثاً، حيث كان الدواء المتوفر فقط هو دواء مضاد للإسهال، وفي حالات نادرة كان هنالك بعض المضادات الحيوية للحالات السيئة جداً والمتفاقمة كالتقرحات الجلدية ذات الإلتهاب المزمن وفي حال ظهور "دمامل" وهو مرض جلدي ينشأ نتيجة البيئة الصحية السيئة للمعتقل، إضافة إلى مرض الجرب الجلدي، حيث كان أغلب المعتقلين مصابين بهذا المرض، وكان هذا المرض ينتشر في جميع أنحاء الجسم وخاصة في المنطقة السفلية من الظهر وفي حالات كثير كان يظهر في "مؤخرة" المعتقلين، وكنت من بين أحد المصابين فقد بقيت مريضاً بهذا المرض لمدة أربعة أشهر خلال فترة اعتقالي التي دامت في فرع أمن الدولة خمسة أشهر.

- أساليب الضرب والتعذيب:

1 - تنوعت أشكال الضرب والتعذيب - خاصة الجسدي- في الفرع 285 بحسب التهم الموجهة للشخص أولاً وبحسب السجان الذي كان يقوم بالعملية ثانياً، ولكن التعذيب كان يتم بشكل ممنهج تماماً وخاصة في فترة التحقيق وفي حالات العقوبات، ومن هذه الأساليب:

  • قلع الأظافر وخاصة أظافر اليدين.

· الضرب بشكل مباشر على وجه المعتقل وخاصة على منطقة العين عن طريق اللكم.

· إطفاء أعقاب السجائر بجسم المعتقل وخاصة على منطقة اليد والظهر.

· الضرب "بالكرباج" السياط على كافة أنحاء الجسم وخاصة الظهر.

· حرمان الأشخاص الذين تعرضوا للتعذيب من الدواء - القليل اصلاً - أي حرمانهم من الدواء لتطبيب الأمراض والكدمات والجروح نتيجة عملية التعذيب والضرب.

· الضرب الشديد أثناء الذهاب إلى الحمام، مما كان يؤدي بعدد من المعتقلين إلى عدم تناول الطعام نهائياً - أو بشكل خفيف - حتى لا يضطروا للذهاب إلى الحمام.

· سكب الماء الساخن جداً على أجساد المعتقلين وغالباً على منطقة الضهر والكتف.

· استخدام طريقة بساط الريح في الضرب: حيث كانوا يقومون باجبار المعتقل على الاستلقاء على لوحين من الخشب، وكان يتمّ تثبيت جسمه كاملاً إلى اللوحين، ومن ثم يتمّ ثني الجسم عن طريق رفع قدميه باتجاه منطقة الرأس وثني منطقة الظهر بشكل قاسي جداً تزامناً مع الضرب "الفلقة" على القدمين.

2 - الانتهاكات الجنسية:

عملية الاعتقال بحد ذاتها هي أكبر تعذيب نفسي للمعتقل وخاصة عندما يتم توجيه سيل هائل من الشتائم دون أي سبب أو اعتبار، ولكن هنالك بعض الأساليب التي يتم فيها إهانة المعتقلين بطرق غير مسبوقة، وهي تؤثر بشكل كبير على نفسية المعتقلين، ففي أحد المرات جيء بحوالي عشرة معتقلين جدد، وكان أحدهم من بلدة دير العصافير بريف دمشق، تمّ وضعهم في الممر وطلب المحققون منهم البقاء واقفاً، حيث ظلّوا على هذه الحالة لمدة اسبوع كامل وقوفاً على أقدامهم، وكان المساعد "سومر" الكبير في السن - وهو غيره المساعد سومر الصغير في العمر- (سومر القصير) قد جاء بخيارة وقد اختار الخيارة الأكبر من الصندوق وحاول الاعتداء بها على المعتقلين "ادخالها في مؤخرة المعتقلين" حتى أنّ أحدهم - نفسه من بلدة دير العصافير - لم يستطع الجلوس على مؤخرته لفترة بعد إدخالهم إلى الزنزانة معنا.

3 - العقوبات الجماعية:

وهي عبارة عن حالات وعقوبات جماعية تشمل جميع المعتقلين في الزنزانة الواحدة، حدث مرّة، أنّ قام طفل صغير كان معتقلاً معنا بأخذ قطعة من البندورة، وعندما علم الحراس بذلك، دخل أحدهم إلى الزنزانة وطلب من الطفل الانبطاح على الأرض ثم انهال بالضرب عليه وعلى كافة أنحاء جسمه وبكامل ما أوتي من قوة، وركله بالأيدي والأرجل، وقال الحارس باللهجة العامية " إلي بيسرق بندورة بيسرق بلد" وعندما انتهى من هذه العملية ذهب وأخبر الضابط المسؤول عنه، فجاء الضابط وأمر بتقييد أيدينا بشكل قاسي جداً - وذلك بواسطة نوع من القيود البلاستيكية والتي تجرح اليدين مباشرة بمجرد تحريك اليدين - وكنا 53 معتقلاً، وطلب منا الوقوف على الحائط، حيث بقينا على هذه الحالة مدة 36 ساعة، لم تتخللها إلا فترات

قصيرة أثناء احضار الطعام مثلاً أو اثناء الخروج لقضاء الحاجة "الحمام"، وبدأت أرجل المعتقلين بالانتفاخ، وبدأت التقرحات الجلدية تتفتح وبدأ الدم يسيل تقريبا من جميع أرجل المعتقلين وخاصة ممن تعرض للضرب على رجله بشكل رئيسي ومنهم أنا.

ثم تتالت العقوبات الجماعية وخاصة إجبارنا على الجلوس جاثياً على منطقة الركبة لمدة لا تقل عن ست ساعات يومياً، وازدادت كمية الضرب أثناء الذهاب إلى الحمام أو الرجوع، وخاصة الضرب على منطقة الركبة.

في السجن الغربي:

بعد حوالي أربعة أشهر قضيتها في فرع أمن الدولة - بالإضافة إلى شهر في فرع الأمن السياسي- تقرر نقلي مع عدد من المعتقلين وكنا حوالي 30 معتقلاً إلى السجن الغربي في فرع أمن الدولة نفسه، وعند وصولنا - كالعادة - انهال علينا العديد من العناصر بالضرب المبرح وكانوا يستخدمون "الهراوات" بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى العصي، والركل بالأرجل والأيدي على كافة أنحاء الجسم، ترافقه أيضاً سيل هائل من الشتائم والكلام البذيء، وكان لي نصيب خاص من الضرب؛ ذلك أنّ أحد الحراس "العناصر التي كانت تقوم بعملية الضرب" لاحظ أنّ لديّ عينان زرقاوان فقرر أن ينتقم لذلك على طريقته الخاصة، بعد أن قال باللهجة العامية "جيبولي هاد أبو عيون زرق" لا لشيء فقط لأني أملك عينان رزقاوتين، وقام بوضع حذائه "الشحاطة" عدة مرات في فمي وأجبرني على ذلك، ثم تقرر توزيعنا على المهاجع "المعتقلات" حيث تمّ إدخالي مع ثلاثة معتقلين آخرين إلى غرفة كانت كبيرة نسبياً بمساحة (6*5 ) أمتار وكنا ما بين (70 إلى 80) معتقلاً ، ولكن الغريب في الأمر أنّه كان يمنع استخدام المساحة كلها فكنا جميعاً نستخدم مساحة 3*4 أمتار وكان يتمّ جمعنا في زاوية واحدة، حتى أنه كان يوجد هنالك مكان لقضاء الحاجة ومكان للإستحمام ولكنه كان من الممنوع استخدام الاثنين، حيث قضيت فترة الشهر كلها هنالك ولم يسمحوا لنا بالاستحمام إلا مرة واحدة فقط.

نوعية الطعام كانت رديئة جداً كان نفسه الذي يقدم للسجناء في القسم الشمالي، كان عبارة عن رغيف أو نصف رغيف من الخبر عند الإفطار وبعض البرغل الناشف أو الرز القاسي عند فترة الظهيرة، وبعض البطاطا المسلوقة ونادراً كان يتم تقديم بعض الخضار كالبندورة مثلاً.

كان المعتقلون في نسبتهم الساحقة يعانون من أمراض مزمنة وخاصة الجلدية منها، وكان يُمنع إخراج عدد كبير من المرضى إلا من ذوي الحالات السيئة جداً والحرجة جداً، وكان يجب أن لا يتجاوز العدد أربعة معتقلين، حتى لا يتم عرضهم للعقوبة، في أحد المرات جاء "الطبيب" وكان هنالك معتقل يعاني من حالة إسهال شديدة، وعند خروجه انهالت عليه العناصر الموجودة بالضرب المبرح بسبب أن هذا المرض لا يستحق علاجاً مستعجلاً حتى أنه لا يُعتبر مرضاً بالأساس في نظرهم. مرض الجرب كان الأكثر انتشاراً والتقرحات الجلدية المزمنة "الدمامل" وخاصة في منطقة الساقين

وعلى مؤخرة المعتقل، وكان المرض منتشراً بجسمي بشكل جنوني فقد كنت أعاني من أكثر من 40 مكاناً أصبت فيه بهذه التقرحات، وحتى أنه في الفترة الأخيرة بدأ انتشار مرض غريب " إسهال غير شعوري" أي تتم العملية لا إرادياً أثناء الجلوس مثلاً، ولم تكن تتمّ معلاجة هكذا حالات أبداً، ومن كان يصدف أن تصير معه الحالة كان يتعرض للضرب بحجة أنّه فعل ذلك عمداً حتى يسمح له بالتحمم.

أحد السجّانين الضباط وكان يُدعى أبو فراس، كان أسمر اللون، طويل القامة وضخم الجثة، كان يتكلم اللهجة البدوية، كان يقوم بالتفنن في تعذيب المعتقلين وضربهم، فكان يقوم ما بين الفترة والأخرى بالطلب من "رئيس المهجع" إخراج أحد الأشخاص فقط لمجرد الضرب، وكان يُطلب منهم إخراج أيديهم من نافذة صغيرة من الشباك، ويبدأ الضرب عليها وجهاً وخلفاً، في أحد المرات خلال عملية الضرب اضطر أحد المعتقلين إلى سحب يده نتيجة للألم الشديد، وكان من آل الشرع من محافظة درعا، فما كان من "أبو فراس" إلا أن فتح باب الزنزانة وكان يحمل في يديه "عصايتين من الخشب" وبدأ بضرب المعتقل وخاصة على منطقة الرأس والوجه ولم يقم بتركه إلا بعد أن غطت الدماء وجهه ورأسه، وكانت من بين وسائل التعذيب أيضاً إخراج المعتقلين شبه عراة إلا من ملابسهم الداخلية، وسكب الماء البارد عليهم ووضعهم أمام "مكيف" الهواء لعدة أيام، صادفت أحدهم كان بقي على هذه الحالة أربعة أيام متالية.

كان الأطفال ما دون سن الثامنة عشر يعاملون معاملة خاصة، فقد جاء احد السجانين يوماُ ونادى على كل معتقل عمره يقل عن ثمانية عشر عاماً فخرج ثلاثة أطفال وطلب شخصاً آخراً كان يعمل في مهنة التدريس، ثم طلب منهم التمدد على الأرض "الإنبطاح". عملية ضربهم الطويلة كانت من بين أطول عمليات الضرب التي مرت علي خلال فترة الاعتقال فقد استمر الضرب بالعصي لهم حوالي فترة ساعة متواصلة ......

لم تمض فترة أكثر من شهر على بقائي في هذا المهجع، ففي أحد الأيام قاموا بالنداء على اسمي مع عدة اشخاص آخرين، وتقرر نقلنا إلى القضاء العسكري بدمشق، حيث مكثنا لعدة ساعات قبل أن يتمّ تحويلنا لقيادة الشرطة العسكرية بدمشق - القابون، حيث لاحظت أن المعتقلات هناك تعجّ بالمعتقلين، وأقدّر عددهم بالآلاف، ثم بعد ليلة أمضيتها هنالك تقرر نقلي إلى سجن عدرا المركزي، وبقيت هنالك أيضاً حوالي شهر، ثم قاموا بنقلي مع عدة اشخاص آخرين إلى فرع الأمن الجنائي بباب مصلى، وتمّ إخلاء سبيلنا دون عرضنا على أية محكمة، حيث علمت لاحقاً أنا اسمي كان موجوداً ضمن صفقة تبادل الأسرى التي تمت بين الجيش السوري الحر من جهة وحكومة النظام السوري من جهة أخرى.

أجرى اللقاء: الزميل أمير كزكز

صورة مأخوذة عن طريق القمر الصناعي تُبين المكان الجغرافي لفرع الأمن السياسي "فرع الميسات" بجانب مشفى أمية أو كما يُسمى فرع الجبة:




-------------------------------------------------------------------
لأية ملاحظات أو أسئلة يمكن التواصل معنا عبر بريدنا الالكتروني
editor@vdc-sy.info

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة العربية
http://www.vdc-sy.org/index.php/ar/reports

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة الإنكليزية
http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/