تقارير خاصة  ::   نتائج وتوصيات حول قضاء الثورة المؤقت وأوضاع السجون في المناطق السورية المحررة


نتائج وتوصيات حول قضاء الثورة المؤقت وأوضاع السجون في المناطق السورية المحررة
الغوطة الشرقية نموذجاً
مركز توثيق الإنتهاكات في سوريا
حزيران / يونيو ٢٠١٣


لتحميل هذا التقرير كملف PDF

كانت ولا تزال مؤسسة القضاء في سوريا من المؤسسات الأكثر فساداً وانعداماً للاستقلالية والنزاهة، وأكثرها انتهاكاً لمبادئ لحقوق الإنسان، سواء لجهة القوانين الناظمة لها، أو لجهة التعليمات التنفيذية المرتبطة بها أو لانعدام المساءلة لمرتكبي هذه الانتهاكات بسبب هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية وتحكم الأجهزة الأمنية في قراراتها، حتى أصبحت بمثابة أحد الأذرع الأمنية للنظام السوري يستخدمها في قمع الشعب اعتقالاً تعسفياً وتعذيباً وإساءة معاملة وأحكاماً جائرة.

وبالتبعية لما سبق، فإن مؤسسة السجون والتوقيف تعتبر هي الأخرى من الأسوأ فيما يتعلق بالكادر الإداري المشرف عليها من حيث كفاءته المهنية، أو خبرته الحقوقية، مما انعكس على طريقة معاملة السجناء وانتهاك حقوقهم، ومن ناحية ثانية، ليست أماكن التوقيف بأفضل حالاً لما تفتقر اليه من شروط صحية ملائمه للسجناء. الحال التي تجعل من العقوبة – المفروضة أصلاً تعسفاً، في حالات الاعتقال السياسي أو على خلفية الرأي- بمثابة انتقام بكل ما تعنيه الكلمة.

في المناطق السورية المحررة التي تخلصت من معتقلات النظام وسجونه السرية ومحاكماته الهزلية، كان من الضرورة بمكان إيجاد بدائل مؤقتة لحفظ الأمن فيها من ناحية، وتأمين سير حياة المواطنين من ناحية أخرى. ولم يكن ذلك بالأمر اليسير نظرا للأوضاع التي تعيشها المناطق المحررة من حصار وقصف يومي ونزوح معظم الخبرات العلمية والأكاديمية عنها.

ومع ملاحظة الجهود الحثيثة التي يبذلها عدد من التشكيلات المدنية والمسلحة لملء الفراغ الذي تركه غياب مؤسسات الدولة في بعض المناطق، إلا انه يتصف بنقص الخبرة، وبالعمومية إذا جاز التعبير، مما يجعل من احكامه أقرب الى تحقيق "العدالة الشعبية" منها الى العدالة القانونية، كما أنه يصطدم بعدد من العقبات التي حاولنا تسليط الضوء عليها في تقرير خاص ومفصل غير معد للنشر، يهدف إلى وضع صورة أقرب للواقع أمام أصحاب الخبرات الحقوقية والقانونية لتشجيعها وتمكينها من مساعدة التشكيلات الحالية على تجاوز ما يمكن من السلبيات، وبما يساعد ويشجع هذه التشكيلات على الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان عامة، وحماية مبدأ العدالة أثناء ممارستها لسلطة المحاكمة وفرض العقاب على المخالفين في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

اعتمد التقرير على المشاهدات الشخصية واللقاءات المباشرة مع المسوؤلين عن الإشراف على هذه "التشكيلات القضائية" ومع بعض السجناء، ومعاينة أماكن الاحتجاز، من خلال زيارات ميدانية قام بها عدد من الزملاء في مركز توثيق الانتهاكات في سوريا على بعض مدن وبلدات محررة في الغوطة الشرقية.

ويجب التنويه إلى أن التقرير يشمل التشكيلات القضائية والعقابية معاً، نظرا لعدم التمييز الحاصل بينهما على أرض الواقع بحيث يتعذر تناول كل جانب منهما على حدة بشكل دقيق.

ويهم فريق المركز أيضاً الإشارة إلى أن الوقائع والحالات الموثقة في التقرير لا تنطبق على أوضاع أسرى النظام الذين غالبا ما يكون التعامل معهم من خلال سجون وهيئات الكتائب العسكرية.

يشكر مركز توثيق الانتهاكات في سوريا الجهات التي ساهمت في إنجاز هذا التقرير عبر تعاونها الكبير، مما يعبر عن قناعتها بضرورة تعزيز مبدأ الشفافية ومؤكدة أن العدالة هدف جوهري لها، وقاطعة بذلك مع تاريخ من ممارسات النظام السوري الذي رفض طيلة عقود السماح بالقيام بأية زيارات تفقدية لسجونه ومراكز توقيفه من قبل المنظمات الحقوقية، ونأسف لرفض المشرفين على بعض التشكيلات القضائية والعقابية بالسماح لنشطاء المركز بالزيارة والاطلاع على عملها عن قرب.

وحفاظاً على أمن وحماية المشرفين على هذه التشكيلات، نكتفي بنشر نتائج وتوصيات التقرير، الذي ستسلم نسخ منه لأصحاب العلاقة بشكل مباشر .


نتائج التقرير:


الانتهاكات الحقوقية الواقعة::
1-1- الضرب الذي يتعرض له جميع السجناء تقريبا "الفلقة"، بما في ذلك النساء والأطفال السجناء.

1-2- وضع الأطفال القاصرين مع البالغين في السجون مما يعرضهم لانتهاكات إضافية كالتحرش والاغتصاب.

1-3- قيام المحققين بإصدار الأحكام في خلط كبير بين عملهم كمحققين وعمل الهيئات المفترض أنها تتولى مهمة القضاء.

1-4- عدم تبليغ السجناء بمصيرهم أو الأحكام الصادرة بحقهم.

1-5- التدخل في قضايا شخصية لا يفترض بتشكيلات تأسست لمواجهة أوضاع استثنائية أن تتصدى لها، كالقضايا الأخلاقية وسواها بما يضع تلك التشكيلات بمثابة وصي على المجتمع بدون وجه حق.



الإيجابيات:
2-1- لاحظ فريق العمل في مركز توثيق الانتهاكات في سوريا أن معظم النماذج من التشكيلات التي تم اللقاء معها أنها لا تتبنى أيديولوجيات محددة، بل يديرها أشخاص ممن يعملون بإخلاص ولهدف تحقيق العدالة. وهناك تقبل لدى كثير منهم للنقد ومحاولة تحسين الأوضاع.

2-2- يلاحظ بوضوح بأن هناك إيمان عام لدى الأفراد والمشرفين على هذه التشكيلات بفكرة العدالة، لكنها تختلط لديهم مع مفاهيم تقليدية خاطئة، تبرر التعذيب وغيره من الممارسات، ما يتطلب العمل عليه لتغييره لدى القائمين على الأمور.


السلبيات::
3-1- عدم وجود أخصائيين حقوقيين، سواء قضاة، أو محامين. معظم أماكن التوقيف والسجون والهيئات القضائية التي قام فريق المركز بزيارتها حتى الآن يقوم عليها أشخاص من غير الحقوقيين، ومن غير ذوي الخبرة في
هذا المجال. يعود ذلك لشبه انعدام الحقوقيين وأصحاب الخبرات الذين غادروا البلاد، حيث عبر مختلف من التقينا معهم عن رغبتهم بوجود حقوقيين معهم لإدارة الأمور.

3-2- عدم وجود أية لوائح معدة بالقواعد القانونية التي يجري تطبيقها، ما يشيع الفوضى واختلاف الأحكام وارتجالها من مكان لآخر، حيث تم الاستناد إلى قواعد الشريعة الإسلامية فقط.

3-3- تعدد الجهات القضائية ووجود العديد من السجون، وهذه مشكلة قد تواجهها أي مدينة كبيرة بعد التحرير بسبب تعدد القوى فيها وضعف التيارات المدنية.

3-4- عدم التزام بعض التشكيلات المسلحة وحتى الداعمة منها للهيئة القضائية بتنفيذ قرارات الهيئة في حال جاء القرار مخالفا لرغبتها.

3-5- عدم وجود مساءلة جدية للمخالفين العاملين ضمن هذه التشكيلات القضائية او العقابية من قبل القائمين على هذه التشكيلات. وعدم إمكانية ذلك في حالة تفاوت عناصر القوة بين تشكيل وآخر داخلها.

3-6- نقص التمويل المطلوب لتغطية نفقات العمل لتنظيم هذه التشكيلات، أو اللازمة لنفقات السجون، ومن الخطر ترك التمويل إلى جهات بعينها، حيث يؤدي إلى فقدان هذه الهيئات القضائية استقلالها. وتبعيتها إلى تلك الجهات، مما يهدد العملية القضائية كاملة، والعدالة بشكل خاص.

3-7- حاجة التشكيلات القضائية إلى إسباغ الشرعية على أعمالها يجعلها تتبع لهيئة أعلى معترف بها مجتمعيا، وهي في حالة الغوطة الشرقية الهيئة الشرعية أومجلس الشورى. المشكلة أن هناك تنازع بين الهيئتين يجعل من القضاء طرفا في النزاع بين الطرفين، وبالتالي رفضه من قبل قطاعات من المجتمع وفقا لولاءاتها وارتباطاتها.



التوصيات:


الى الهيئات السياسية والمدنية:
• تشكيل مكتب حقوقي من النشطاء في المجال الحقوقي من محامين وقضاة منشقين لوضع تصور عن عمل تلك التشكيلات أقرب ما يكون إلى العدالة، والعمل على التواصل مع جميع الهيئات التي تتولى مهمة القضاء في سوريا لتسهيل عملية تبادل الخبرات بينها، وتأمين متطلباتها. وتمكين تواصلهم مع المنظمات المحلية والدولية لحقوق الإنسان. بما يضمن الأداء الأفضل لعمل هذه الهيئات، وترسيخ فكرة العدالة لدى السوريين واحترام حقوق وكرامة المواطنين بوصفها أهم متطلبات الثورة. والمساعدة في وضع أسس بناء دولة القانون والمؤسسات في المستقبل.

• وضع لوائح قانونية مشتركة بواسطة أخصائيين حقوقيين لجميع التشكيلات التي تتولى العملية القضائية العاملة في سوريا، تتضمن مجموعة قوانين خاصة أو مختصرة ( قانون عقوبات – أصول المحاكمة- نظام للسجن وأماكن الاحتجاز) تتناسب مع الظروف الحالية ومحاولة إقناع القائمين على تلك التشكيلات بتبنيها بشكل رسمي، بما يحقق الحد الممكن من العدالة للموقوفين.

• من الضرورة القصوى، العمل بجدية على محاولة تأمين دعم مادي مستقل عن أي جهة سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية لتلك التشكيلات. للحفاظ على استقلاليتها من جهة ولتعزيز قدرتها على تأمين استمرار عملها، بهدف تمكينها من الحرص على تحقيق العدالة أيا كان مرتكب الانتهاك. إضافة إلى ضرورة تأمين متطلبات أماكن الاحتجاز وتحسين شروطها. وتأمين حاجات السجناء بالطريقة الممكنة والأفضل.

• العمل على فصل التشكيلات القضائية عمليا وإداريا عن أي تشكيل قد يضع القضاء في موضع التنازع وينال من استقلاليته ويمنح الحجة للبعض لرفض الامتثال للقضاء وأحكامه.


الى النشطاء الحقوقيين المحليين في المناطق
• العمل والتواصل مع القائمين على هذه التشكيلات بكل الوسائل الممكنة، وتقديم المشورة لهم بما يحد من الارتجال والتفاوت في الأحكام الصادرة. ومساعدتهم للفصل بين مهمات المشرفين على العملية القضائية والذين يتولون مهمة الإشراف على السجون لديهم.

• العمل كلما أمكن ذلك على توجيه المسؤولين في هذه التشكيلات إلى ضرورة مشاركة مندوبين عن الهيئات المدنية، والمجالس المحلية، والتنسيقيات، أو شخصيات من وجهاء المنطقة في مناطقهم، بوصفهم مراقبين أو ممثلين عن المجتمع المحلي، لتعزيز الثقة في هذه التشكيلات وفي أحكامها، وتعزيز فكرة العدالة بين السكان في هذه المناطق.

• المبادرة إلى تنظيم حملات توعية بمشاركة الهيئات المدنية في كافة المناطق تهدف إلى توعية أفراد هذه التشكيلات وبقية المواطنين في المناطق بالحقوق الأساسية لهم. بوصفها أحد أهم الأسباب التي قامت من أجلها الثورة السورية، وعدم سماحهم لأي كان بتجاوز أو انتهاك هذه الحقوق، وتقديم شكاوى بحقهم. سواء إلى هذه التشكيلات، أو التعاون مع الهيئات المدنية، والنشطاء في منطقهم لتشكيل مجموعة ضغط لمنع هذه الانتهاكات.

• تنظيم جلسات تدريب ونقاش عام مع القائمين على تلك التشكيلات حول مبادئ حقوق الإنسان، وأهمها حق المحاكمة العادلة، وحق المتهم في وجود محام أو مختص للدفاع عنه كلما أمكن ذلك، وحقه في الحفاظ على أمنه وسلامته في السجن وعدم تعرضه للتعذيب.


إلى أعضاء التشكيلات القضائية:
• العمل مع المشرفين وتوجيههم في الهيئات الشرعية التي تتولى مهمة القضاء حاليا لمنع التوقيف في القضايا التي لا تمس قضايا الأمن العام الرئيسية، والتي تشكل خطراً واضحاً على المجتمع، لما يتركه التعامل الخاطئ من جهات لا خبرة لديها في التعامل مع حالات مماثلة من آثار اجتماعية ضارة، وما تولده من حالات انتقام شخصي، نتيجة عدم الثقة في هذه التشكيلات، أو ترك شعور عام بالخوف منها.

• ضرورة توجيه كافة المسؤولين في هذه التشكيلات لاتخاذ كافة إجراءات الحذر في محاكمة الأطفال أوسجنهم، مع منع محاكمة الأطفال من هم دون سن الخامسة عشرة وفصل أماكن احتجازهم عن بقية السجناء، ومنع تعرضهم للتعذيب.

• اتخاذ ما أمكن من الإجراءات لضمان المحاكمة العادلة للموقوفين، ومشاركة المختصين في العملية القضائية، ومنع التعذيب أثناء التحقيق أو السجن، ومعاقبة مرتكبي هذه المخالفات.

• التعاون كلما أمكن ذلك مع التشكيلات التي تمارس أعمالاً مشابهة في بقية المناطق، وطلب المشورة والمختصين منها، والسعي الى توحيد نفسها ما أمكن ضمن جسم قضائي واحد منعا لاختلاف الأحكام الصادرة عنها في قضايا مشابهة، مما يضعف ثقة المواطنين بهذه الأحكام.

• التعاون مع المجالس المحلية لإيجاد عقوبات خدمية واجتماعية للسجناء كبديل عن التوقيف حيث تحتمل القضية ذلك.


-------------------------------------------------------------------
لأية ملاحظات أو أسئلة يمكن التواصل معنا عبر بريدنا الالكتروني
editor@vdc-sy.info

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة العربية
http://www.vdc-sy.org/index.php/ar/reports

للاطلاع على تقاريرنا السابقة باللغة الإنكليزية
http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/